شارك الخبر
*بقلم الدكتور/ وسيم فضل يافعي.*
حين تُكتب صفحات الشرف في تاريخ الجنوب، لا يمكن تجاوز الدور الإماراتي الذي لم يكن يومًا دور شعارات أو بيانات، بل كان موقفًا ودمًا وتضحية، فقد قدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة دماءً زكية على أرض الجنوب، واختلط الدم الإماراتي بالدم اليمني والجنوبي في معركة واحدة ضد مشروع الظلام والفوضى، وضد أقذر جماعة عرفها التاريخ الحديث.
لم تأتِ الإمارات كداعمٍ من بعيد، ولا كطرفٍ يبحث عن مكاسب سياسية عابرة، بل جاءت شريكة في الخندق، حاضرة في الميدان، تقاتل جنبًا إلى جنب مع أبناء الجنوب، وتدفع من دماء جنودها ثمنًا للحرية والاستقرار، وهذا الامتزاج في الدم ليس تفصيلًا عاطفيًا، بل حقيقة موثقة يعرفها كل من عاش سنوات الحرب الأولى، وكل من رأى أعلام الإمارات تُرفع إلى جانب أعلام الجنوب في خطوط النار لا في قاعات الفنادق.
وفي الوقت الذي كان فيه رجال الإمارات وأبناء الجنوب يواجهون الموت في الجبهات، كان آخرون ممن يتصدرون اليوم المشهد السياسي بعيدين عن الميدان، ينعمون بالإقامة المريحة في الفنادق الفاخرة، ومن بينها فندق الريتز، حيث لم تُسمع هناك أصوات المدافع، ولا رائحة البارود، ولا صرخات الجرحى. وهذا الفارق وحده كافٍ ليُميز بين من صنع الحدث ومن اكتفى بمراقبته من خلف الزجاج.
الإمارات لم تدّعِ البطولة، ولم تتاجر بتضحياتها، لكن الوقائع أكبر من أن تُنكر، فمن تحرير المدن، إلى بناء القوات الأمنية، إلى دعم الاستقرار ومكافحة الإرهاب، كان الحضور الإماراتي حضور فعل لا قول ولولا تلك التضحيات، لما كان الجنوب اليوم قادرًا على التقاط أنفاسه أو الحديث عن أمنٍ قوي ومؤسسات قائمة.
إن الوفاء ليس ترفًا سياسيًا، بل قيمة أخلاقية، ومن الوفاء الاعتراف بأن دماء الإماراتيين التي سُفكت على أرض الجنوب جعلتهم جزءًا من هذه الأرض وتاريخها، لا ضيوفًا عابرين ولا حلفاء ظرفيين، أما الذين لم يكونوا في ساعة الخطر إلا نزلاء فنادق، فلا يحق لهم اليوم مصادرة تضحيات الآخرين أو إعادة كتابة التاريخ من زاوية مريحة.
سيبقى الدم الذي امتزج في ميادين الجنوب شاهدًا لا يكذب، وستبقى الإمارات حاضرة في ذاكرة الجنوبيين كدولة وقفت حين غاب كثيرون، وقدّمت حين اكتفى آخرون بالكلام.