شارك الخبر
بقلم: أحمد يسلم
كتب اليوم علي البخيتي على صفحته في فيسبوك:
«المعادلة الجديدة بسيطة، إما يمن كبير، أو جنوب عربي بدون شبوة وحضرموت والمهرة، والخيار لمثلث الدوم».
لاحظوا بداية كيف يخاطبون الجنوب بلغة المناطقية القذرة كآخر أسلحتهم الصدئة المسمومة
هذا الكلام ليس معادلة سياسية ولا قراءة واقعية، بل ابتزاز جغرافي فاضح، ومحاولة لإعادة إنتاج الهيمنة بعد أن سقطت كل مشاريعهم السابقة.هو خطاب إفلاس بعد أن شعروا بدنو مؤتمر الحوار الجنوبي واستباقه بالتشويش وزعزعته بالقنابل الدخانية والصوتية وتفعيل نهج الاغتيالات بالداخل
أن يُخيَّر الجنوب بين وهم أسمه «يمن كبير» أو جنوب مشوَّه منزوع العمق والسيادة والثروة، فذلك ليس حلًا، بل وصفة مفتوحة للصراع. السياسة لا تُدار بالمقايضة على الخرائط، ولا تُبنى الدول على منطق العقاب الجماعي.
السؤال البديهي:
لماذا كل هذا العداء للجنوب؟
ما الذي فعله هذا الشعب حتى يتحول حقه في تقرير مصيره إلى تهمة، وجغرافيته إلى غنيمة؟
الجنوب، تاريخيًا، لم يكن مشروع كراهية ولا نزعة إقصاء.
كان الطرف الأكثر صدقًا في الشراكة، والأكثر استعدادًا للتعايش.
مدّ يده، وقدّم غصن الزيتون، ومنح ثقته لنخب سياسية وقبلية ودينية، وصعد بآخرين باسمه وعلى حسابه.
لكن المقابل كان دائمًا واحدًا:
اغتيالات، نهب منظم، طمس للهوية، ومحاولات متواصلة لمحو التاريخ وإعادة كتابته بالقوة.
هذه ليست رواية عاطفية، بل ذاكرة شعب.
تغيّرت الوجوه والمسميات: شيخ، رئيس، يسار، إخوان، متدين، متطرف…
وبقي السلوك ذاته:
غدر، التفاف، مراوغة، ورفض دائم لأي شراكة حقيقية قائمة على الندية والاحترام.
ولهذا، فليكن الكلام واضحًا:
الجنوب لم يعد مستعدًا لمنح ثقته لمن أثبت التاريخ أنهم لا يُؤتمنون، ولم يعد يقبل أن يُدار مستقبله في غرف مغلقة أو يُساوَم على أرضه وثروته تحت مسمى «معادلات جديدة».
ما يزعج أصحاب هذه الطروحات ليس الخطاب الجنوبي، بل التحول الجنوبي.
أن شعب الجنوب، من المهرة إلى باب المندب، استعاد وعيه، وأدرك الحقيقة كاملة، ولم تعد تنطلي عليه حيل إعادة التدوير السياسي.
شعب اليوم مسلح بالثقة بنفسه وبحقه، ويعمل بوضوح على استعادة دولته الجنوبية الوطنية المستقلة كاملة غير منقوصة.
الفقرة القانونية الدولية
وفق القانون الدولي، فإن حق الشعوب في تقرير مصيرها حق أصيل ومكفول في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 1/2)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 1)، ولا يسقط بالتقادم.
وحين تفشل دولة قائمة على وحدة سياسية سلمية في احترام الشراكة، وتتحول هذه الوحدة إلى أداة قمع وضم وإقصاء، فإن ذلك يُعد إخلالًا جوهريًا بأساس العقد السياسي.
التجربة الدولية تؤكد أن فشل الوحدة السلمية، المصحوب بانتهاكات جسيمة وممنهجة، يفتح الباب أمام التقرير الخارجي للمصير، وليس مجرد إدارة ذاتية داخل كيان فاشل.
وما جرى في الجنوب منذ 1994 ليس «خلافًا سياسيًا»، بل اغتيالًا للوحدة كحلم وكحقيقة: بالقوة، وبالنهب، وبطمس الهوية، وبإقصاء الشريك. ومن قتل الوحدة عمليًا لا يملك أخلاقيًا ولا قانونيًا أن يطالب ضحيته بالصبر أو الصمت.
هذا التحول ليس ذنب الشعب الأصيل في الشمال، الذي يُستعمل وقودًا لخطاب تحريضي مناطقي رخيص، تُغذّيه نخب مأزومة وإعلام يعيش على صناعة العداء.
الذنب ذنب من تحدثوا باسم «الوحدة» وهم أول من خانها وأسقطها.
الحقيقة لها وجه واحد،
والشعوب لا تنسى.
لقد خرج الجنوب من قمقم الأوهام،
ولن يعود تحت مظلة وحدة فاسدة جلبت الموت والدمار والتشظي والكراهية.
وحدة لم تُفشلها الشعوب، بل قتلها من تاجروا بها حتى تعفّنت.
هذه ليست دعوة للكراهية،
بل إعلان نهاية وهم سياسي،
ورسالة أخيرة لكل من يراهن على اقتطاع الأوطان:
إرادة الشعوب لا تُبتز،
ومن لا يفهم ذلك… فليستعد لمغادرة التاريخ.