شارك الخبر
للتاريخ، ولمن يهمّه أن يعرف أن في هذا الوطن رجالًا يظهرون حين تختفي الجموع، وتُولد بطولاتهم في أشد المواقف وأحلك الظروف لا تحت الأضواء.
الشاب أحمد محمد علي المحروق المحوري
إبن أبين – خنفر – كدمة عسلان
لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره،
لكنه في تلك الليلة كان أكبر من العمر، وأثقل من الخوف، وأصلب من النار.
كان أحمد ضمن القوة المكلّفة بتأمين مدينة سيئون، وحين تعرّضت منطقة الخشعة لهجوم عنيف، وانسحبت القوات المرابطة هناك، طُلب دعم عاجل من الكتيبة التي ينتمي إليها.
تقدّم أحمد في الصفوف الأولى مع رفاقه، أولئك الذين لم تلتقط الكاميرات وجوههم، ولم تُذكر أسماؤهم كما ذُكر غيرهم… لكنهم فعلوا ما يُفترض أن يفعله الرجال.
استعادوا أحد المواقع ليلًا، والليل هنا لم يكن صمتًا، بل سماءً تمطر نارًا.
طائرة تقصف، مصفحات تتقدّم، نيران متقاطعة، أصوات الدشكا والمعدلات و14 و23، والجحيم مفتوح من كل اتجاه.
في خضمّ ذلك، أُصيب أحد رفاقه من الضالع – الأزارق بثلاث طلقات في ساقه.
كان الجريح يصرخ: أنقذوني…
والكثيرون ولّوا الأدبار، فالموقف ملعلع، والموت أقرب من النفس.
إلا أحمد.
لم يتلفّت، لم يحسبها حساب نجاة، لم يسأل: هل أستطيع؟
قال فقط: لبيك يا رفيقي.
حمله على ظهره، والرصاص من كل جانب، والنيران تشتعل من آثار القصف،
ومشى…
خطوة بعد خطوة،
شبابه الصغير يحمل جسدًا جريحًا، وإرثًا قديمًا من الشرف لا يسقط.
وهنا لا بد أن يتوقّف السرد قليلًا،
لأن ما فعله أحمد لم يكن لحظة عابرة،
بل امتدادًا لموقف قديم في ذاكرة الدم.
فجده من جهة أمه، الحاج محمد بن محمد حدورة – رحمه الله –
حمل يومًا عبدالله سالم شمباء – رحمه الله –
حين أُصيب في إحدى الغزوات القبلية القديمة،
وحمله مسافة طويلة على ظهره…
وكأن البطولة تُورَّث كما تُورَّث الأسماء.
نعود إلى أحمد.
ظل يحمل رفيقه حتى وجدوا إسعافًا، واتجهوا نحو المكلا،
لكن قوة اعترضتهم وأعادتهم إلى سيئون خشية الكمائن.
وعند عودتهم، وجدوا أن القوة المرابطة في سيئون قد انسحبت هي الأخرى.
وفي تلك اللحظة الحرجة،
كان القدر يخبئ سندًا من الدم:
أخوه يوسف محمد علي المحروق المحوري
لا يزال مرابطًا مع أفراد من أبين على طقم نيسان.
ولله درّ قبيلة آل محوري…
تنجب حين يفرّ الآخرون،
وتبقى حين ينسحب الجمع،
ويرتفع أبناؤها بشموخ الجبال.
دخلوا مقر اللواء، قُدّمت إسعافات أولية للجريح،
ثم نُقل إلى مستشفى سيئون، وأُجريت له عملية وتضميد.
لم يكن هناك وجود لقوات درع الوطن،
لكن ما هي إلا لحظات حتى عادت الطائرة تقصف،
حتى وصل القصف إلى محيط المستشفى.
طقم يُستهدف،
أجساد تُمزّق،
الناس تفرّ،
والجريح يصرخ: لا تتركني يا محوري…
فيرد أحمد:
لن أتركك… وخشمي يشمّ الهواء.
حمله مع أخيه،
لم يجدوا إسعافًا، الجميع هرب،
لم يبقَ سوى طقم النيسان يقوده ابن فضل الجبيلي.
حملوا عليه الجريح، ومعه أربعة جرحى آخرين،
وانسحبوا إلى الصحراء،
تائهين في أرض لا يعرفون اسمها،
يتنقّلون يومين كاملين من مكان إلى آخر،
يسقون الجراح صبرًا، ويحمون الأرواح بما تبقّى من قوة.
حتى فرّجها الله.
خرجوا من الصحراء إلى أبين – الرازي،
ثم إلى عدن،
وأبى أحمد أن يترك رفيقه،
حتى سلّمه بيده إلى أخيه.
واليوم، يقول المصاب:
نادوني أبو زرعة المحوري…
اسم لم يولد من نسب، بل من موقف.
ومن هنا، نرفع القبعات لهؤلاء الشجعان،
لمن لا يعرفون الظهور،
ولا ينتظرون شكرًا،
ولا يتركون رفيقًا خلفهم.
ملاحظة موجعة للتاريخ:
كان المصاب يتصل بعمليات اللواء التابع له،
يخبرهم أنه جريح…
فجاءه الرد الصاعق:
“مش وقته الآن.”
لكن كان هناك وقت عند أحمد المحوري…
وقت للوفاء،
وقت للشهامة،
وقت لأن يكون رجلًا.
✍️ ناصر بن مهدي الحوتري