شارك الخبر
ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
(مجلة فورين بوليسي) كتبته فاطمة أبو الأسرار، باحثة متخصصة في اليمن
في الأسابيع التي سبقت اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، توعد الحوثيون بأنه في حال نشوب صراع، فإن البحر الأحمر سيسيل بدماء أعدائهم. وفي خطاب تلو الآخر، أخبر عبد الملك الحوثي، زعيم الجماعة، أتباعه أن أي هجوم على إيران سيؤدي إلى رد فوري ومدمر. إن الحركة التي أمضت عامين في تعطيل الشحن العالمي، وإطلاق الصواريخ الباليستية على إسرائيل، وتقديم نفسها كأكثر الأعضاء التزاماً في “محور المقاومة”، راهنت بمصداقيتها على فرضية واحدة: “إذا ضُربت إيران، فسنضرب نحن”.
لقد تعرضت إيران لضربات متواصلة لأكثر من أسبوع، لكن الحوثيين لم يضربوا بعد.
ففي غضون أشهر، شاهد الحوثيون إسرائيل وهي تقتل رئيس وزرائهم، واثني عشر عضواً في حكومتهم، ورئيس أركانهم. ورأوا رفيقهم في المحور، حسن نصر الله زعيم حزب الله، يلقى حتفه في بيروت، ثم شهدوا وفاة المرشد الأعلى لراعيهم. كما يجري تفكيك البنية التحتية للحرس الثوري الإيراني التي بنت ترسانتهم في الوقت الفعلي. إن الحركة التي أمضت عامين في استعراض قوتها وعدم قابليتها للهزيمة، تجري حساباتها الآن من موقف ضعف شديد.
وفي الوقت نفسه، تشتعل المشاعر الشعبية؛ ففي 6 مارس، ملأ الآلاف ميدان السبعين في صنعاء، وهم يهتفون باللغة الفارسية لزعيم إيراني راحل. ونُظمت مسيرات في جميع المحافظات. وبدا أن عبد الملك الحوثي قد واكب الحدث عندما تعهد بالانضمام إلى القتال “في أي لحظة”. ولكن لم يُطلق أي صاروخ، ولم تُضرب أي سفينة، ولم تعبر أي طائرة مسيرة البحر الأحمر.
وتعود أسباب ذلك إلى التغيرات الهيكلية التي شهدها الحوثيون على مدى العقد الماضي، فضلاً عن الأهداف الاستراتيجية للجماعة في المستقبل.
بين أغسطس وأكتوبر 2025، قتلت الغارات الجوية الإسرائيلية في صنعاء رئيس الوزراء الحوثي أحمد الرهوي، ونحو اثني عشر عضواً في الحكومة، ورئيس الأركان محمد الغماري. كانت هذه عمليات دقيقة استهدفت أفراداً، وليست قصفاً عشوائياً للمساحات استهدف البنية التحتية. وقد استخدمت نفس المنهجية القائمة على المعلومات الاستخباراتية التي نُشرت لقتل نصر الله في بيروت.
يدرك أعضاء القيادة العليا للجماعة الآن أنه في اللحظة التي يطلقون فيها عملية عسكرية مرئية، فإنهم يولدون “البصمات” التي تمكن من استهدافهم: الاتصالات، والتحركات، والانبعاثات الإلكترونية. إن تنظيم المسيرات لا ينتج هذه البصمات، بينما إطلاق الصواريخ يفعل ذلك.
وعلى سبيل المثال، كانت حملة البحر الأحمر بين عامي 2023 و2025 هي أهم عملية عسكرية نفذها الحوثيون على الإطلاق؛ فقد عطلت الشحن العالمي، وفرضت رداً بحرياً متعدد الجنسيات، ورفعت الحركة من تمرد إقليمي إلى مصدر قلق أمني عالمي. لكنها استهلكت أيضاً أفضل أنظمة أسلحتهم وكشفت البنية التحتية التي تدعمها.
ونتيجة لذلك، وبحلول أواخر عام 2025، أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية المستمرة إلى تدمير مواقع الإطلاق ومنشآت التخزين وعقد القيادة. ولم يكن فقدان الغماري رمزياً فحسب؛ بل قُتل إلى جانبه قادة فنيون يمتلكون خبرات لا تُعوض. كما أدى الحصار البحري إلى تعقيد إعادة إمداد المكونات المتقدمة من إيران. وأظهرت الاعتقالات لأعضاء مزعومين في “شبكة تجسس” سعودية أمريكية إسرائيلية في نوفمبر أن البنية التحتية العملياتية للحوثيين قد اختُرقت – بغض النظر عن نطاقها الفعلي.
علاوة على ذلك، هناك الترسانة المتهالكة. فبين سبتمبر 2024 وأوائل يوليو 2025، أحصى خبراء الأمم المتحدة إطلاق 101 صاروخ باليستي حوثي على إسرائيل، فشل 38 منها تماماً. وفي عملية اعتراض واحدة في يوليو من ذلك العام، ضبطت القيادة المركزية الأمريكية أكثر من 750 طناً من المواد الإيرانية المنشأ المتجهة إلى الحوثيين، بما في ذلك مئات الصواريخ والرؤوس الحربية وأنظمة التوجيه ومحركات الطائرات المسيرة وأنظمة الرادار. ووجدت دراسة لسلسلة التوريد أجرتها مؤسسة “سينشري إنترناشيونال” عام 2026 أن أكثر من 80% من المواد التي ضُبطت قبل وصولها إلى الحوثيين في 2024-2025 كانت مدخلات تصنيع وليست أسلحة جاهزة. كان هذا دليلاً على أن خط الإمداد قد تحول من تهريب أنظمة كاملة إلى دعم التجميع المحلي. لكن أنظمة التوجيه والإلكترونيات والمحركات تظل هي “عنق الزجاجة”، وكل قطعة منها تتطلب الاستيراد.
لا يزال بإمكان الحوثيين الإطلاق، إلا أن قدرتهم تضاءلت، وكل عملية إطلاق تكشف عن مواقع تم رسم خرائطها بالفعل. روجت الحركة لرواية “التصنيع المحلي”، لكن مواصفات أسلحتهم الأكثر فعالية لا تزال تعود إلى أصول إيرانية تتطلب مكونات خارجية. ومع تعرض إيران نفسها لقصف مستمر، فإن خط الإمداد الذي بنى ترسانة الحوثيين يقع تحت ضغط أكبر من أي وقت مضى منذ تأسيس الحركة.
وما يزيد الأمور تعقيداً هو أن الحوثيين ليسوا جماعة مستقلة تتلقى الدعم الإيراني فحسب، بل هم مدينون لطهران؛ فقد بنيت قدراتهم العسكرية على يد إيران وحزب الله، وصيغ موقفهم الاستراتيجي وفقاً لأولويات طهران، وحُدد مكانهم في “محور المقاومة” من قبل إيران. لا ينفي أي من هذا الجذور اليمنية للحركة، لكن هذه الجذور وحدها لم تنتج الترسانة أو العقيدة أو المكانة الإقليمية التي تميزهم اليوم.
ولكن الآن، توفي المرشد الأعلى الإيراني وحل ابنه محله. إن اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً في 8 مارس منح الحوثيين سبباً للاعتقاف بأن النظام سيصمد؛ ففي غضون ساعات، خاطبته وسائل الإعلام الحوثية بلقب “الإمام” وبايعته. كان التعيين إشارة إلى أن الحرس الثوري الإيراني يمكنه إعادة تشكيل نفسه.
ولكن حتى لو أُعيد بناء العلاقة، فإن المشهد السياسي الذي يقاتل فيه الحوثيون قد تغير. ففي جميع أنحاء العالم العربي، وخلال حملة البحر الأحمر، أصبحت ميليشيا زيدية من المرتفعات الشمالية في اليمن وجهاً للمقاومة ضد إسرائيل في لحظة أشاحت فيها كل دولة عربية بنظرها. لكن حرب إيران خلطت هذه الأوراق؛ فالصواريخ الإيرانية تسقط الآن على الرياض في السعودية وأبو ظبي في الإمارات، وتقتل مدنيين عرباً في عواصم عربية. إسرائيل والولايات المتحدة تضربان إيران، وليس الدول العربية. فإذا انتقم الحوثيون نيابة عن طهران في هذا السياق، فلن يعودوا يقاتلون من أجل فلسطين، بل سيقاتلون من أجل الدولة التي تقصف المدن العربية. ومن غير المرجح أن يحتفل الجمهور العربي نفسه الذي احتفى بهم لوقوفهم في وجه إسرائيل، بوقوفهم مع القوة التي تمطر جيرانهم بالصواريخ.
ومع اهتزاز موقف إيران، بدأ الحوثيون الآن يتطلعون إلى مستقبلهم. فخلال الأشهر القليلة الماضية، أجرت الجماعة تعبئة وطنية لم تحظَ بأي اهتمام تقريباً في وسائل الإعلام الغربية. وفي كل محافظة يسيطرون عليها في شمال غرب اليمن، كانت الحركة تدير دورات تدريب عسكرية تحت مسمى برامج “طوفان الأقصى”. وتخرج مئات المقاتلين من هذه الدورات، وشملت وزارات حكومية وجامعات ومستشفيات وشركات اتصالات وهيئات مياه وموظفي مطارات وفرقاً رياضية. وأعلنت تجمعات قبلية مسلحة “التعبئة العامة”، ونُظمت وقفات شعبية حاشدة أسبوعياً.
هذه ليست قوة صاروخية؛ إنها قوة برية مصممة لإنتاج عمليات حاشدة – وليست دقيقة – وهي مصممة لحرب لم تبدأ بعد، حول من يسيطر على سواحل شمال غرب اليمن وأراضيه وسكانه البالغ عددهم 20 مليون نسمة. فبينما يتجه الخطاب نحو البحر، تتجه التعبئة نحو البر.
للمزيد الرابط في أول تعليق