شارك الخبر
يقول اللواء صاعقة معتز الشرقاوي عن الرئيس جمال عبدالناصر
الله يرحمه.. كان بسيطًا
كان والدي – رحمه الله – من دفعة المشير عامر، وكان صديقًا مقربًا للرئيس عبد الناصر ولعبد الحكيم عامر قبل الثورة وبعدها. وفي أحد الأيام في شهر ديسمبر 1965، وقبل تخرجي بأشهر، وكان يوم جمعة، وما زلت أتذكره جيدًا جدًا، كنا نتناول الغداء في منزلنا ببورسعيد، وكنت بملابس الكلية لأنني سأعود إلى الكلية بعد الغداء مباشرة.
وفجأة دق جرس الباب، وسمعنا صوت الحارس الشخصي للرئيس عبد الناصر، وكان اسمه زينهم، والذي أبلغ والدي بأن الرئيس يصعد السلم الآن. فأصبنا جميعًا بالدهشة، ووقفنا في الصالة تاركين الطعام على المائدة، منتظرين سيادة الرئيس الذي حضر بدون سابق معلومة.
ودخل الرئيس المنزل كما نراه تمامًا في الصحف، وكان معه السيد حسين الشافعي والسيد أنور السادات.
وما إن دخل الرئيس عبد الناصر حتى فاجأنا بسؤاله لوالدتي:
«أنا ميت من الجوع.. عندكم إيه يتاكل؟»
وكان من عادتنا أن يكون يوم الجمعة هو يوم الأكل المتبقي من الأسبوع الماضي، فلم يكن توقيت زيارة الرئيس موفقًا لوالدتي بالمرة، وأسقط في يد أمي، والتي لم تجد لديها غير طبق كشك أباظي كانت قد أعدّته، وأيضًا فسيخ.
فضحك الرئيس وأخبرها أن معه خبراء سوفييت في بورسعيد للاحتفال بيوم الجلاء، وأن رائحة الفسيخ قد تصيب الخبراء بالإعياء. فضحكنا من عبارته البسيطة غير المتكلفة.
ووضعت له أمي طبق الكشك على المائدة، فشمّر عن ساعديه وبدأ يقبل على الطعام بنهم شديد. وبينما هو يأكل كنا نقف أمامه أنا وإخوتي لا نصدق أعيننا أننا نشاهد الرئيس يأكل مثلنا وبدون تكلف في منزلنا.
ولاحظ الرئيس وقوفي أنا وإخوتي أمامه، فرحب بنا وبدأ يسأل عن أسمائنا ويرحب بنا بكل أبوّة.
وعندما جاء الدور عليّ سألني عن اسمي، وأثنى على ملابسي، وأنني في الكلية الحربية. ثم نادى على زينهم حارسه الخاص، وأخبره أن تقوم سيارة الرئيس المغطاة بتوصيلي إلى الكلية الحربية في القاهرة، وتعود له مرة أخرى إلى بورسعيد.
وركبت سيارة الرئيس بجوار السائق، وقبل وصولنا القاهرة توقف السائق وطلب مني أن أجلس في الخلف. وعند باب الكلية الحربية توقفت السيارة التي تحمل رقم رئاسة الجمهورية (1) أمام الطلبة والضباط عند باب الكلية.
ونزل السائق وفتح لي الباب، وتوجهت إلى باب الدخول وسط حالة من الدهشة من الطلبة والضباط والمدرسين.
وسألني الضابط على الفور عن اسمي، فرددت عليه بكل عسكرية. ثم سألني عن السيارة التي نزلت منها، فرددت عليه بكل خبث:
«دي عربية أونكل جمال عبد الناصر».
ولا يمكن وصف ملامح الضابط وقتها، والذي سألني عن سبب حضوري بسيارة الرئيس، فرددت عليه بخبث زائد واستغلال للموقف:
«أونكل جمال كان بيتغدى عندنا في البيت في بورسعيد، وقال للسواق إنه يوصلني مصر. لو مش مصدقني ممكن حضرتك تتصل وتسأل».
فازداد احمرار وجه الضابط من ردي، وبدون أن أدع له فرصة للسؤال مرة أخرى سألته إن كان يريد أن يفتش حقيبتي كما يتم مع باقي الطلبة، إلا أن ذهوله من الموقف كان أكبر من أن يرد.
وهذا الموقف أسرده هنا لكي أوضح ما رأيته بالفعل من بساطة وتلقائية الرئيس جمال عبد الناصر وعدم تكلفه.
لواء الصاعقة: معتز الشرقاوي
نقلاً عن مؤرخين 73