شارك الخبر
-
بمناسبة موسم عسل الثبة وقرون الحبلة ( ثمار السمر ) يزدهر وادي حطاط هذه الأيام بتزهير شجرة السمر وتكوين ثمارها( قرون الحبلة )و اعتمادا على التقويم الحميري يمثل شهر ابريل الشهر الأول في السنة الحميرية ويقال له( ذو الثابة ) ويليه (ذو مبكر وذو مذراء وذو القيظ وعلان وذو الصراب . . الخ) واعتمادا على ملاحظاتي عند زيارة وادي حطاط لوحظ أن شهر ابريل (ذو الثابة )حسب التقويم الحميري هو موعد تزهيرشجرة السمر ويليه (ذو مبكر ) نسبة إلى خروج النحل من خلاياه مايعرف بالبكور كما أفادني الأخ فضل محمد ناصر أحد أشهر مربو النحل وأنتاج العسل في يافع وبالعودة إلى هذه الشجرة العظيمة السمر (أو “المظلة الشجرية” كما يُطلق عليها لشكلها التاجي) أيقونة البيئة الصحراوية والجبلية، وهي ليست مجرد شجرة، بل هي “منظومة حياة” متكاملة للإنسان والحيوان والنحل.
تتميز السمر عن غيرها من الأشجار (كالسدر أو القرض) بقدرتها الفائقة على الصمود في أقسى الظروف، ونورد هنا بعض من فوائدها الشاملة ومميزاتها:
1. الفوائد الرعوية والبيطرية
السمر هي “ملاذ لمربي الغنم والجمال والنحل معا ” في سنوات الجدب:
ثمار “الحبل”: كما ذكرت سابقاً، هي بروتين مركّز يقي الماشية من الهزال ويقوي مناعتها لسنة كاملة كما قال لي ناصر الساكت أحد أهالي الوضيع وفقا لما رواه أهله .
الأوراق (الخضارة ): توفر علفاً غنياً بالأملاح والمعادن طوال العام، وتظل مخضرة حتى في قمة الصيف.
تحسين التربة: تعمل جذورها على تثبيت النيتروجين في الأرض، مما يحسن جودة التربة المحيطة بها ويحميها من الانجراف.
2. الفوائد الطبية (للإنسان)
تحتوي أجزاء الشجرة المختلفة على مركبات كيميائية طبيعية:
اللحاء (القشرة): يُغلى ويُستخدم كمضمضة لعلاج آلام اللثة والأسنان، ويُشرب لتطهير المعدة وعلاج الإسهال.
الصمغ: كما فصلنا سابقاً، هو رفيق الكلى والجهاز الهضمي، ومثالي لعلاج السعال المزمن.
الجذور: في بعض الثقافات، تُستخدم مستخلصات الجذور لعلاج لدغات الحشرات والالتهابات الجلدية.
3. عسل السمر (الذهب الأسود)
يُعد عسل السمر من أغلى وأجود أنواع العسل في الجزيرة العربية واليمن:
مميزاته: يتميز بلونه الداكن (الذي يميل للسواد) ورائحته النفاذة القوية.
قيمته: يُطلب خصيصاً لمرضى السكري (لأن سكره منخفض مقارنة بالسدر) ولمن يعانون من فقر الدم وأمراض الكبد.
4. الفوائد الاقتصادية والاستهلاكية
حطب السمر: يُعتبر “ملك الحطب”؛ فهو يشتعل ببطء، ولا يصدر دخاناً كثيفاً، ويحتفظ بحرارة عالية جداً لفترة طويلة (جمر السمر يظل حياً لساعات)، مما يجعله المفضل للطهي والتدفئة. لكن أعراف وقوانين تحطيبه صارمة جدا و لاتسمح إلا للأشجار الميتة أو جرفتها السيول
الأخشاب: بفضل صلابتها، كانت تُستخدم قديماً في بناء أسقف البيوت، وصناعة الأدوات الزراعية، وحتى في صناعة الفحم عالي الجودة.
5. ما الذي يميز السمر عن غيرها من الأشجار؟
تنفرد السمر بخصائص تجعلها تتفوق في بيئتها:
نظام الجذور: تمتلك جذوراً وتدية تصل لأعماق مذهلة بحثاً عن المياه الجوفية، وجذوراً سطحية تمتد لمسافات واسعة لامتصاص قطرات الندى أو المطر الخفيف.
شكل المظلة: يوفر ظلاً بارداً جداً يختلف عن درجة الحرارة المحيطة، وهو مأوى طبيعي للمسافرين والماشية من شمس الهجيرة
الحماية الطبيعية: أشواكها القوية تحميها من الرعي الجائر للنباتات الصغيرة، مما يضمن بقاء الشجرة واستدامتها. علاوة على أن تلك الأشواك تمثل صمامات اغلاق لتبخر المياه من ساق السمر وجذورة والاحتفاظ بمخزون الماء إلى أن يحين توقيت التزهير في شهر ذو الثابة( أبريل نيسان) كما سنتناوله لاحقا وضمان حياة الشجرة إلى حين يأتي المطر .
باختصار السمر شجرة “معطاءة” بكل أجزائها، من ظلها إلى حطبها، ومن صمغها إلى ثمرها
يمتاز أودية حطاط ويرامس ( حسان ) وثنهاه . والمناطق المجاورة لهما بأشهى أنواع العسل( الثبة تحديدا ) واللحم البلدي ولو جرى تصنيفا تذوقيا لنال هذين المنتجين( العسل واللحم ) جوائز عالمية.
وفي هذا الصدد أفادني
الشيخ عقيل هائل عبيد أحد وجاهات وادي حطاط : إن العرف القبلي في كافة مناطق البلد وفي حطاط بالذات يمنع قطع الأخضر ولكنه يضع درجات المنع عندما يدلي أحدهم بالقطع للأشجار الخضراء ينهون عن ذلك نهيا ويعاقب حال التكرار بيد أن الأمر يختلف عندما يتعلق بالسمر حيث تسري العقوبة على قطع السمر من أول وهلة بحيث يحكم على من يمد يده لقطع غصن أو فرع من السمر بأربع غنمات يختارهم الحاكم العرفي ومن يقدم على هز ثمرة الحبل قببل إعلان البياح يغرم بغنمة من أخير أغنامه وبالتالي ذبحها وتوزيع لحمها لمن حضر .
وفي حالة نصب خيام البدوي أو سقلته يثبتها بالخشب ولكن من غير السمر وإذا اتضح أنه أستخدم عيدان السمر ( الرسو) يغرم بأربع غنم .
تفرز السمر سائل أحمر يشبه دم الغزال يسمى بلهجة حطاط (حدمدم ) تمتصه النحل وتغطي به فتحات الجبح ويحتمل انها تضيفه إلى الصمغ الذي تبني به خلايا العسل . وحين يلامس الأرض ذلك الحدمدم يحول التراب إلى كتلة متصلبة ومن جدير مايذكر أن السمر المعمر يتطفل عليها شجرة متسلقة تتغذى من جذع السمرة تسمى( عنمة ) ولها زهر أحمر قاني تمتص رحيقه طيور البلابل المعروفة ب (العواجر ومفردها عوجري ) إلى أن تتحول الى ثمرة صغيرة بلون أسود.
ملاحظة دقيقة جداً
تعكس فهماً عميقاً لفيزياء الأشجار الصحراوية؛ فالأشواك في أشجار السمر والضبيان والقتاد ليست مجرد وسيلة دفاع ضد الحيوانات الرعوية، بل هي جزء أساسي من نظام “إدارة المياه” داخل الشجرة.
كيف تعمل هذه الأشواك كـ “صمامات” أو أدوات حماية للمخزون المائي ؟!
1. تقليل مساحة السطح (بديل للأوراق)
من الناحية التطورية، الأشواك هي في الأصل أوراق تحورت لتصغر مساحتها إلى أقصى حد.
الأوراق العريضة تحتوي على آلاف “الثغور” التي يخرج منها الماء عبر عملية النتح مايعرف بالإنجليزية (Transpiration).
بتحول الأوراق إلى أشواك مدببة، قللت الشجرة عدد الثغور بشكل مهول ما يغلق “منافذ الهروب” للماء ويمنع تبخره من الأنسجة الداخلية.
2. كسر حدة الرياح (مصدات هوائية)
الرياح الجافة هي العدو الأول للرطوبة في لحاء الشجر.
وجود كثافة عالية من الأشواك حول الأغصان واللحاء يعمل كـ مصدات رياح مجهرية.
هذه الأشواك تخلق “طبقة حدودية” من الهواء الساكن حول الغصن، مما يمنع الرياح من سحب الرطوبة مباشرة من اللحاء، وبذلك تعمل كصمام إغلاق ميكانيكي يحمي السوائل الجارية في “الأوعية الناقلة”.
3. تظليل اللحاء (الظل المجهري)
قد يبدو الشوك صغيراً، لكن آلاف الأشواك على شجرة السمر توفر ظلاً جزئياً على اللحاء والأغصان.
هذا الظل يقلل من درجة حرارة سطح الغصن، مما يقلل بدوره من حاجة الشجرة لتبخير الماء لتبريد نفسها.
4. تكثيف الرطوبة (تجميع الماء)
بدلاً من فقدان الماء، تقوم الأشواك بمهمة عكسية؛ ففي الليالي الباردة، تكون رؤوس الأشواك هي أبرد أجزاء الشجرة، مما يساعد على تكثيف بخار الماء من الهواء وتحويله إلى قطرات ندى تنزلق نحو الأغصان ثم إلى الجذور، وهو ما يعزز المخزون المائي بدلاً من استنزافه.
علاقتها بالجذور واللحاء:
بما أن هذه الأشجار تمتلك “لحاءً” يحتوي على مادة شمعية أحياناً، فإن الأشواك تحمي هذا الغلاف من التمزق بفعل الرياح أو الاحتكاك، مما يضمن بقاء “الدورة الدموية” للشجرة (النسغ) بعيدة عن تأثيرات الجو الخارجية.
هذا النظام المتكامل هو ما يجعل شجرة السمر قادرة على البقاء خضراء حتى لو انقطع المطر لعدة سنوات، فهي تغلق كل أبواب التبخر وتفتح أبواب الاستفادة من رطوبة الجو.
أعداد . أحمد يسلم