شارك الخبر
#بقلم/ المستشار نبيل أحمد العمودي.
#في مناطقٍ اعتاد الناس فيها أن يروا المسؤول يختبئ خلف المواكب والمكاتب المكيفة والبيانات المرتبكة بدا ما فعله محافظ أبين الدكتور مختار بن الخضر الرباش الهيثمي وكأنه كسرٌ كامل للصورة التقليدية للمسؤول في مناطق الشرعية فلم يكن الرجل في هذه الواقعة مجرد محافظ أصدر توجيها أو لجنة أو بيان إدانة بل ظهر بوصفه رأس الدولة الذي نزل بنفسه إلى الميدان ليختبر معنى السلطة لا بوصفها امتيازًا بل بوصفها مخاطرة ومسؤولية ومواجهة مباشرة مع الفوضى.
#في بلدٍ أصبحت فيه نقاط الجبايات المسلحة جزءًا من المشهد اليومي حتى كاد الناس يتعاملون معها كأمر واقع جاءت حادثة حسان لتقول إن الدولة ليست فكرة ميتة وإن هيبتها لا تعود بالخطب الرنانة بل حين يقف المسؤول بنفسه أمام فوهات البنادق ويقول للمسلحين انتهى زمن الابتزاز.
#ما يجعل هذا التصرف استثنائيًا ليس فقط الاشتباك مع مجموعة خارجة عن النظام بل الرسالة العميقة التي حملها المشهد كله فالمحافظ لم يرسل قوة أمنية ويبقَ في مكتبه ينتظر التقارير بل تحرك بنفسه إلى موقع الخطر وهذه وحدها في بيئة السلطة الحالية تكاد تكون حدثًا نادرًا لأن كثيرًا من المسؤولين في مناطق الشرعية تحولوا مع الوقت إلى موظفي بيانات أو تجار أزمات أو مديري شبكات مصالح بينما غابت فكرة المسؤول الذي يربط شرعيته بحماية الناس والطريق والكرامة العامة.
#لقد قرأ الناس هذا المشهد بطريقة مختلفة لأنهم رأوا لأول مرة منذ سنوات مسؤولًا يتصرف باعتباره حارسًا لفكرة الدولة لا سمسارًا فوق أنقاضها فحين تتوقف القاطرات وتُفرض الإتاوات بقوة السلاح لا تكون القضية مجرد تقطع بل إعلان عملي بأن السلطة الحقيقية انتقلت من مؤسسات الدولة إلى جماعات السلاح والجباية ولذلك فإن ذهاب المحافظ بنفسه لم يكن تحركًا أمنيًا فقط بل كان استعادة رمزية لحق الدولة في احتكار القوة وفرض النظام.
#الأهم أن هذه الواقعة كسرت القاعدة التي ترسخت في مناطق الشرعية طوال سنوات الحرب حيث تعايشت السلطات المحلية مع الفوضى أحيانًا وخضعت لها أحيانًا أخرى بل إن بعض المسؤولين صاروا جزءًا من شبكات الجباية والابتزاز بصورة مباشرة أو غير مباشرة ولذلك فإن أي مسؤول يقترب من هذه الملفات عادة يفضل الصمت أو المساومة أو إدارة الأزمة من بعيد أما أن يتحرك محافظ بنفسه ويواجه المسلحين ويُصاب أحد أفراد حراسته أثناء العملية ثم تنتهي الواقعة باعتقال جميع العناصر فهذا يعني أن الرجل قرر أن يضع منصبه في مواجهة اختبار حقيقي لا استعراض إعلامي.
#إن الفارق بين المسؤول الحقيقي والمسؤول العابر أن الأول يصنع شعورًا عامًا بأن الدولة ما تزال قادرة على الفعل بينما الثاني يرسخ شعور الناس بأن البلاد تُدار من قبل عصابات ومراكز نفوذ وما حدث في أبين منح الناس ولو للحظة إحساسًا نادرًا بأن هناك من يفهم أن التنمية لا تبدأ بالمشاريع ولا بالمؤتمرات ولا بالشعارات بل تبدأ من إزالة نقطة تقطع تعترض طريق مواطن مذعور.
#لقد كان بإمكان المحافظ أن يتصرف كما يفعل كثيرون فيكتفي بتشكيل لجنة أو إصدار بيان تنديد أو تحميل الأجهزة الأمنية المسؤولية لكنه اختار أن ينزل بنفسه إلى الميدان وهذه النقطة تحديدًا هي التي جعلت المشهد يبدو مختلفًا ومفصليًا لأن الجماهير في مناطق الشرعية لم تعد تبحث عن مسؤول يتحدث كثيرًا بل عن مسؤول يغامر قليلًا من أجل الناس.
#وفي العمق فإن ما جرى في حسان ليس مجرد حادثة أمنية عابرة بل لحظة سياسية وأخلاقية فارقة تقول إن الدولة حين تريد أن تستعيد حضورها فإن أول ما تفعله هو كسر هيبة الخارجين عن القانون لا التعايش معهم وإن المسؤول حين يشعر أن الطريق العام جزء من شرفه الوظيفي فإنه يتحول من موظف سلطة إلى رجل دولة.
#ولهذا لم يكن ارتياح أبناء أبين نابعًا فقط من إزالة نقطة تقطع بل لأنهم رأوا نموذجًا نادرًا لمسؤول قرر أن يشتبك مع الفوضى بدل أن يديرها وأن يقف في مقدمة القوة لا خلفها وأن يقول عمليًا إن أبين ليست أرضًا سائبة لمن يحمل السلاح بل محافظة تستحق دولة تحميها لا سلطة تتفرج عليها.