شارك الخبر
كان الأساس الذي بُني عليه مشروع محاربة الجنوب وتدميره هو تصوير النظام الاشتراكي في الجنوب بوصفه نظامًا “بعيدًا عن الدين” — بحسب رؤية حكام ونخب الشمال — وهكذا صاغ هؤلاء خطابهم التعبوي وفلسفتهم السياسية لتبرير الحرب على الجنوب واستباحته.
ولم يكن هذا الخطاب وليد حرب 1994م فقط، بل يمتد إلى ما قبل إعلان الوحدة بسنوات طويلة.
فقد اتجه النظام في الجمهورية العربية اليمنية، ومعظم التنظيمات السياسية والدينية في الشمال، إلى محاربة النظام في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بحجة أنه نظام ماركسي علماني بعيد عن الإسلام، وبذلك جرى تصوير الجنوبيين باعتبارهم “ملحدين” وخارجين عن الدين الإسلامي. وقد رُوّج لهذا الخطاب على نطاق واسع عبر أدواتهم الأيديولوجية والإعلامية والتنظيمية، واستُخدم في إذكاء الصراعات والمواجهات الفكرية والسياسية قبل الوحدة وبعدها.
وجاءت حرب 1994م التي أُلبست لبوسًا دينيًا تحت مسمى “حرب الردة والانفصال”، لإضفاء قداسة دينية عليها، وكأنها معركة بين الإيمان والكفر، لا حرب سلطة ونفوذ. وعززت ذلك فتاوى دينية منحت الحرب غطاءً شرعيًا، فدخلت التيارات الإسلامية إلى جانب النظام في صنعاء في جبهة واحدة لمواجهة الجنوب، مستخدمة مختلف وسائل التعبئة والحرب النفسية، من الخطب والقصائد والمساجلات الشعرية إلى الفتاوى الدينية والتحريض الإعلامي.
ولعبت المعاهد الدينية الإسلامية المنتشرة في الشمال آنذاك دورًا كبيرًا في عمليات التعبئة، حيث جرى التحشيد للشباب بموافقة رسمية من السلطة السياسية في صنعاء، وتغذية ما سُمّي بالعمليات الجهادية منذ إعلان مشروع الوحدة اليمنية بين عامي 1990م – 1993م، ثم إعداد هؤلاء الشباب للمشاركة الفعلية في الحرب على الجنوب عام 1994م.
لقد ساهمت هذه الأيديولوجيا المتطرفة في تغيير كثير من ملامح السلوك الاجتماعي والعادات والتقاليد التي ورثها الجنوبيون عبر عقود طويلة. وبعد هزيمة الجنوب في صيف 1994م، ظهرت عشرات الجمعيات والمعاهد والجامعات ذات الطابع الإسلامي المؤدلج، المناهض للجنوب وللثقافة المدنية والشعبية التي كانت سائدة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، باعتبارها — وفق تصورهم — ثقافة بعيدة عن الإسلام.
وعملت تلك الجمعيات والتيارات السياسية والدينية وفق برامج مدروسة لإحداث تغيير عميق في الواقع الجنوبي، عبر توظيف الدين لخدمة مشاريعها السياسية.
لقد توغلت تيارات الإسلام السياسي في الجنوب بعد 1994م، متسلحة بفتوى دينية تبرر كل أفعالها، من الحرب ومصادرة الممتلكات العامة والخاصة إلى فرض سلوكيات لا تمت إلى جوهر الإسلام وقيمه السمحة بصلة، مستغلة نفوذها السياسي وسطوتها السلطوية.
فعمد التجمع اليمني للإصلاح، وحليفه المؤتمر الشعبي العام، بعد الحرب إلى تكثيف حضورهما في الجنوب عبر إنشاء الهيئات والجمعيات الشعبية والخيرية والدعوية، وتوجيهها لترسيخ ونشر مقاصدهم السياسية والأيديولوجية. وقد أُنشئت قنوات دعوية أتاحت لهم التغلغل الواسع داخل المجتمع الجنوبي، وإعادة تشكيل وعيه الجمعي وفق رؤيتهم الخاصة.
أما جمعيات الإصلاح الخيرية، التي كانت تبدو في ظاهرها مؤسسات تقدم خدمات اجتماعية وتعزز التكافل المجتمعي، فقد كان باطنها — في كثير من الأحيان — إعادة غربلة المجتمع الجنوبي وغرس أفكار وقيم جديدة تنتقص من انتمائه الحضاري والثقافي، وتحارب البنية المدنية التي عرفها الجنوب لعقود.
وقد استُغلت منابر المساجد لحث الناس على “الابتعاد عن الأفكار الضالة”، والمقصود بذلك الثقافة المدنية التي كانت سائدة في الجنوب، فضلًا عن نشر خطابات الترهيب المرتبطة بعذاب القبر والنار، وتحريم الاختلاط في المدارس وأماكن العمل، وتحريم عمل المرأة، خصوصًا في القضاء، حيث جرى سحب صفة “القاضية” من النساء العاملات في هذا المجال.
إن هذا الخطاب الديني لم يكن هدفه بناء إنسان متوازن، بقدر ما كان يسعى إلى تشكيل مواطن جديد في الجنوب، مواطن منزوع الإرادة، منشغل بالمظاهر الشكلية للتدين أكثر من انشغاله بقيم العمل والإنتاج والحرية والإبداع.
لقد أُريد له أن يشكك بماضيه، وأن يعيش حالة من الخوف والضغينة والانكفاء على الذات.
كما ساهمت سياسات الإقصاء الوظيفي وتسريح آلاف العسكريين والمدنيين الجنوبيين فيما عُرف بسياسة “خليك بالبيت” في كسر كرامة الإنسان وإضعافه اقتصاديًا ونفسيًا، وترسيخ قيم الاتكالية والرشوة والمحسوبية بدلًا من قيم العمل والكفاءة.
وبذلك جرى تغيير الهوية الفكرية والثقافية للمواطن الجنوبي بهوية أخرى مشبعة بخطاب ديني مؤدلج، اختزل الدين في جانب ضيق، وغابت معه القيم الإسلامية العظيمة المرتبطة بالعمل والحرية والمساواة وإعمار الأرض.
فعلى الرغم من الإيجابيات والسلبيات التي عاشها المواطن الجنوبي قبل الوحدة، وقلة الإمكانيات آنذاك، إلا أن قيمة العمل كانت حاضرة بقوة، وكان هناك احترام نسبي لحرية الفرد ومحاربة للرشوة والفساد، واستطاع الإنسان الجنوبي أن يحقق معنى وجوده من خلال حب الحياة والحفاظ على الملكية العامة والثروات الطبيعية التي وهبها الله للإنسان ليعمر بها الأرض.
وانتقل هذا التأثير المؤدلج إلى النظام التعليمي، حيث جرى تغيير المناهج الدراسية وتقليص بعض المواد العلمية والأنشطة الفنية والثقافية. ففي الجنوب سابقًا وُجدت المعاهد الفنية والمهنية، وازدهرت الأنشطة اللاصفية والمسرحية والثقافية والرياضية، وكان التعليم مرتبطًا بواقع المجتمع وحاجاته التنموية، فيما حظيت الفتاة بحقها الكامل في التعليم والعمل.
أما بعد حرب 1994م، فقد تغيرت المناهج، وأُلغيت مواد التربية الفنية والرياضية، وأضيفت مواد دينية بكثافة أكبر، رغم أن التربية الإسلامية كانت موجودة أصلًا في المناهج السابقة. ورغم أهمية العلوم الدينية في بناء شخصية الطالب، إلا أن الإفراط في التركيز عليها جاء على حساب العلوم والأنشطة التي تنمي الإبداع والخيال والقدرات النفسية والوجدانية.
إن التربية عملية متكاملة ومتوازنة، وأي اختلال في هذا التوازن ينعكس على شخصية الإنسان. وعندما يُربى الطفل باستمرار على مفاهيم الخوف والموت والعذاب والقتال والكفار، فإن ذلك يخلق جيلًا قلقًا، منطويًا، فاقدًا للشغف والمغامرة والإبداع.
وبهذا أصبحت الأنشطة الفنية والثقافية والترفيهية في المدارس والمجتمع تُعامل بوصفها “حرامًا” أو “ممنوعًا”، مما ولّد نفورًا واسعًا لدى الطلاب من التعليم، وزاد من ظواهر العنف والتسرب المدرسي.
حتى الفضاء العام صار مشحونًا بخطاب ديني متشدد يحرم الموسيقى والغناء والفنون، فانحصرت أجواء الفرح في الأعراس والأعياد فقط، وأُغلقت مؤسسات السينما والمسرح، وتحولت بعض دور العرض إلى مساجد أو قاعات أفراح، كما حدث لسينما جعار وسينما التواهي، فيما دُمرت مسارح عريقة مثل المسرح الوطني ومسرح الطفل ومسرح الجيب، وغابت الأعمال المسرحية والفنية التي كانت تشكل جزءًا من الوعي الجمعي والحياة الثقافية في الجنوب.
توظيف الدين في محاربة المرأة
شهد المجتمع الجنوبي عقب حرب 1994م تصاعدًا لافتًا في الخطاب الديني الذي استهدف تحجيم دور المرأة وتقنين حضورها الاجتماعي، وحصرها في أدوار الزوجة وتربية الأطفال وطاعة الزوج.
فقد انتشرت خطب وأشرطة كاسيت تدعو إلى منع الاختلاط، وتحارب “السفور”، وتعتبر المرأة “عورة”، وبدأت العباية والنقاب والجلباب الطويل تفرض حضورها بوصفها رموزًا دينية واجتماعية.
وكان هذا الخطاب مغايرًا لما عرفه المجتمع الجنوبي سابقًا من نظرة للمرأة باعتبارها شريكة للرجل في التنمية والعمل والتغيير، حيث كانت المرأة الجنوبية قاضية ومحامية ومعلمة ودبلوماسية وعسكرية وموظفة في مختلف مؤسسات الدولة.
كما جرى فرض الحجاب والنقاب بوصفهما معيارًا للتدين، وتحول الأمر تدريجيًا إلى أداة للضغط الاجتماعي والسياسي، حتى أصبح ارتداء الحجاب قضية سياسية أكثر منها خيارًا شخصيًا أو دينيًا.
ولعبت الجمعيات النسائية التابعة للتيارات الإسلامية دورًا في عملية “التلقين السياسي” وكسب القواعد الشعبية، بحيث صار الحجاب وسيلة لفرض الهيمنة الاجتماعية، وأصبحت المرأة التي لا ترتديه عرضة للمضايقات والوصم.
لقد استغلت تيارات الإسلام السياسي نفوذها في السلطة لفرض أنماط سلوكية واجتماعية محددة، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى إثارة النزاعات الأسرية والاجتماعية، وتعميق الانقسامات داخل المجتمع.
وفي ظل هذه التحولات، جرى الزج بآلاف الشباب الجنوبيين في التنظيمات الجهادية، ورُهن مستقبلهم لمشاريع العنف والتطرف، بدلًا من توجيههم نحو التعليم والتنمية وبناء الحياة المستقرة.
لقد أُنتج جيل يحمل العداء للآخر، حتى لو كان قريبًا أو شريكًا في الوطن، لأن الخطاب الديني المستخدم آنذاك لم يكن معبرًا عن جوهر الإسلام وقيمه الإنسانية، بل كان أداة سياسية لتثبيت السلطة وتوسيع النفوذ.
د. فضل الربيعي أستاذ علم الاجتماع
جامعة عدن