شارك الخبر
ثريا محمد
في زيارتي الأخيرة إلى الرياض، وبعد إلحاح طويل من الصديقة الفت الدبعي:
“يا ثريا حاولي تقابلي الرئيس هادي، يمكن يفتح نفسه ويحكي.”
بصراحة لم أكن أتوقع أن الطلب سيُقبل، خصوصًا وأن الجميع كان يقول:
“الرجل اعتزل الناس والسياسة وحتى المناسبات العائلية.”
لكن بعد يومين فقط، تلقيت اتصالًا غامضًا:
“جهزي نفسك بعد المغرب، وسيارة ستأتي لأخذك.”
طبعًا من شدة الحماس لبست عباءتين فوق بعض، لأن قصص الرؤساء دائمًا تبدأ بسيارة سوداء ومشوار طويل.
وصلت السيارة، وكان السائق صامتًا بطريقة جعلتني أشك للحظة أنني داخلة تصوير مسلسل سياسي على MBC.
تحركنا نحو شمال الرياض، وكل عشر دقائق يلتفت السائق ويقول:
“أنتِ ثريا؟”
وأرد:
“إلا إذا غيروني بالطريق.”
وصلنا إلى منزل هادئ جدًا، لا حرس جمهوري، لا مواكب، لا حتى واحد يصيح “افتحوا الطريق لفخامة الرئيس”.
فقط هدوء غريب وكأن الرجل خرج من السلطة وخرجت معه الضوضاء كلها.
استقبلني أحد أفراد الأسرة وقال:
“الرئيس ينتظرك.”
دخلت، وبعد دقائق دخل الرئيس هادي رحمه الله بخطوات بطيئة، ثم ابتسم وقال:
“أنتِ ثالث شخص أقابله منذ تركت السلطة.”
سألته بدهشة:
“ومن الأول والثاني؟”
قال:
“واحد صحفي… والثاني كتب نفس المنشور الذي سيكتبه الصحفي بعد أسبوع.”
ضحكت، فقال:
“يا ابنتي، اليمنيين لا يتحدثون عن الحقائق واللقاءات إلا إذا تأكدو أن الشخص مات.”
ثم تنهد وقال:
“كلهم يكتبون: جلسنا ساعتين… تكلمنا عن الوطن… وعن الوحدة… وعن المؤامرات… وفي النهاية يخرج القارئ يبكي وكأنه كان معنا في المجلس.”
قلت له:
“يعني بعض القصص مبالغ فيها؟”
ابتسم وقال:
“أحيانًا أشعر أن الناس قابلوني أكثر مما قابلت أنا نفسي.”
ثم أضاف:
“مرة قرأت منشورًا يقول إنني قلت: الدولة الاتحادية هي الحل الوحيد… وأنا يومها أصلًا كنت أبحث عن نظارتي.”
ساد الصمت للحظة، ثم قال وهو يضحك:
“المشكلة أن الناس تحب الكواليس أكثر من الحقيقة… أي قصة فيها سيارة ليل، وحارس صامت، وقهوة عربية… تنجح فورًا.”
بعد ساعة من الحديث، هممت بالمغادرة، فقال لي:
“إذا كتبتي عن اللقاء… أرجوكِ لا تجعلي السيارة سوداء، الناس حفظوا الحبكة.”
خرجت من المنزل وأنا مقتنعة أن اليمني لو جلس نصف ساعة فقط، يستطيع أن يؤلف لقاءً سياسيًا يهز مواقع التواصل… بشرط وجود:
سيارة غامضة، وإضاءة خافتة، وجملة مثل:
“قال لي وهو يتأمل البعيد…”
رحم الله الرئيس هادي،
ورحمنا من كتاب الدراما السياسية الموسمية.