شارك الخبر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ عيدروس نصر
كان الفقيد المناضل التاريخي الأستاذ أنيس حسن يحيى كثيرًا ما يكرر مداعبًا: أنا إن شاخ جسدي، فأحمد الله أن عقلي لم تصبه الشيخوخة، وظلت تلك هي الحقيقة وإن قيلت على سبيل الدعابة، فقد ظل الرجل يقدم أفكاره الخلاقة ونصائحه البناءة وتصوراته المبتكرة والواقعية إزاء أعقد القضايا حتى وهو مقعدٌ على كرسي المرض.
* * *
غادرنا بالأمس القريب الأستاذ المناضل انيس حسن يحيى بعد قرابة تسعة عقود من العطاء والنضال والاستماتة والصبر والانتصار لقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية والدولة المدنية.
كان الاستاذ انيس على الدوام عنوانًا للحكمة والروية والتوازن والعقلانية السياسية، والعمق الفكري والإيمان بقضايا الوطن وابنائه، . . كان يتفاءل حتى في قلب المحنة، وكان يبتسم حتى وهو في قمة الحزن، وكان يتماسك حينما كانت البصائر تزوق والعقول ترتبك والمواقف تتذبذب.
أسس الاستاذ المناضل أبو باسل فرع حزب البعث العربي الاشتراكي في عدن بمعية رفاقه الشهيد سعيد الخيبة والفقيد نصر ناصر علي والأستاذ عبد الغني عبد القادر ونخبه من المثقفين العدنيين في منتصف خمسينات القرن الماضي، وكان طموح الحريه والاستقلال وبناء الدولة الوطنية هو الديدن المركزي لهؤلاء ومثلهم كل القوى والتشكيلات السياسية التحررية في عدن ومحيطها.
كان أبو باسل نصيرًا لثورة التحرر الوطني وداعمًا لها بأفكاره ونضالاته المدنيه ضمن طيفٍ واسعٍ من المفكرين والمثقفين والسياسيين الناشطين والنقابيين في مدينة عدن وضواحيها، وبعد الاستقلال الوطني وفي مرحله الحوار السياسي الطويل الذي خاضته الفصائل السياسية اليسارية في جمهورية اليمن الديمقراطيه الشعبية كان الأستاذ بارعًا بأفكاره ومبادراته على طريق التحالف الوطني العريض الذي سمي فيما بعد التنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية والذي ضم الى جانب الجبهة كلَّا من حزب البعث العربي الاشتراكي الذي صار اسمه حزب الطليعة الشعبية برئاسة فقيدنا الكبير وحزب اتحاد الشعب الديمقراطي برئاسة المناضل والمفكر الاستاذ عبد الله عبد الرزاق با ذيب (عليهما رحمة الله) وافرادًا من حزب العمل أو حزب العمال والفلاحين وكان ذلك في المؤتمر التوحيدي في الخامس من فبراير 1975م
وطوال فترة وجوده في قمة التنظيم السياسي الموحد ثم الحزب الاشتراكي اليمني وفي المناصب الوزارية التي تولاها كان الفقيد أحد الذين ساهموا في تعزيز مداميك الدولة الوطنية الجنوبية الفتية، ومثل نموذجًا للقائد المبدع والمبتكر والمحبوب بين كل العاملين والموظفين الذين كان يرأسهم، ويعمل معهم.
في كل اللقاءات التي جمعتني بالفقيد الكبير والمناضل التاريخي الأستاذ أنيس بما في ذلك دورات اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي كان الفقيد مثالًا للقائد الحكيم صاحب الفكرة النيرة والعقلية المنفتحة المرنة المتوازنة والمتحررة من العصبية والتشدد والتمترس وراء المواقف المتعنتة ، بل لقد كان مستمعًا جيدًا، مثلما كان متحدثا جيدًا ومقنعًا في أغلب الأحوال
كان آخر لقاء يجمعني بالفقيد أبو باسل في فبراير من العام 2023م بمنزله بمدينة القاهرة في جلسة عشاء أعدتها الأستاذة الرائعة أم الخير شارك فيها عددٌ من الضيوف منهم بعض الرموز السياسية كالرئيسيين علي ناصر محمد وحيدر العطاس والوزير عبد الملك المخلافي والمستشار ياسين مكاوي والإعلامي محمد عمر بحاح وعدد من الشخصيات الأكاديمية كالدكاترة قاسم المحبشي وسمير الشيباني وصالح الصلاحي ، أحمد قاسم الجحافي وحيدره القاضي والمهندس صلاح العوادي وآخرون. .
الفقيد الأستاذ أنيس حسن يحيى ليس فقط مناضلًا وطنيَّا ميدانيًا وقائدًا حزبيًّا بارعًا، بل لقد كان مفكرًا سياسيًا ومنظِّرًا اقتصاديّا له العديد من الكتابات والمؤلفات والبحوث في الاقتصاد السياسي وفي الإدارة والتنمية الاقتصادية، وهو حائز على وسام الثورة 14 أوكتوبر، أعلى وسام في زمن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية,
بوفاته يودع الجنوب والجنوبيون واحدًا من أبرز أبنائه الأبرار نذر عمره من أجل الوطن وأبنائه، وعانى من النزوح الإجباري أكثر مما كسب من الاستقرار في دياره وفارق الحياة مستأجرًا منزلًا بسيطًا في أحد أحياء العاصمة المصرية.
لكنه يغادرنا اليوم محمَّلًا بسجلٍ وافرٍ من العطاء والتراث النضالي والقيم والاخلاقيات النبيلة التي تربى وربى الأجيال عليها وكرسها في ممارسته وعلاقاته بمجتمعه ومواطنيه وشعبه ورفاقه وخصومه.
لقد غاب أنيس جسدًا لكنه لم يغب روحًا وفكرًا ومبادئَ وقيمًا!
لروحك السلام والرحمة والخلود في جنات النعيم أيها المناضل الابي
وصادق العزاء والمواساة إلى الأستاذة العزيزة أم الخير وللعزيز باسل ولكل الأهل والأحبة وللشعب والوطن، وللزملاء في قيادة الحزب الاشتراكي اليمني وقواعده ولنا جميعًا تلاميذه ومحبيه.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.