شارك الخبر
تترقب الأوساط الثقافية والأدبية في يافع والوطن ككل، ببالغ الاعتزاز، التحضيرات الجارية على قدم وساق لإقامة مهرجان تكريمي ضخم يليق بمقامة وقامة أحد أساطين الشعر اليافعي المعاصر، وأبرز أعمدة الكلمة الحكيمة؛ الشاعر الشهير محمد علي غالب السليماني، المكنى بـ (أبو الأحمدي).
إن هذا التكريم ليس مجرد احتفاء عابر بشخص الشاعر، بل هو استحقاق وتتويج لرحلة عطاء باذخة، واحتفاء ببيئة شعرية عريقة تنفّست الأدب أباً عن جد، وصاغت من وهج الحرف تاريخاً ومواقف وملاحم أثبتت علو كعبها في ميادين الأدب الشعبي.
بيت الشعر والسيادة الأدبية
لا يمكن الحديث عن تجربة “أبو الأحمدي” بمعزل عن التربة الخصبة التي نبت فيها؛ فهو سليل أسرة أدبية عريقة ورثت ملكة الشعر كابراً عن كابر، وتشرّبت فصاحة المنطق من ينبوع الشعراء الأقحاح طاهر عثمان . عبدالحق . أحمد هيثم . الحيدري . أبو نادر . ووالدهم الشاعر اليافعي الكبير علي غالب بن سليمان
من هذا النبع الأصيل، انطلقت “مدرسة الشعر السليمانية” لتفرض حضورها القوي والمهيب في ساحة الشعر الشعبي، ولتكون الرقم الصعب في مهرجانات يافع الثقافية والتراثية. وقد تمثلت هذه المدرسة في الفرسان الأربعة (أبو الأحمدي، والراحل يحيى رحمه الله، وزايد، ومحسن) الذين شكلوا معاً ظاهرة فريدة؛ ورغم أن لكل واحد منهم بصمته الخاصة وتفرده الأسلوبي، إلا أنهم يلتقون في نهاية المطاف عند منهجية تكاملية ترسم ملامح مدرسة شعرية متماسكة الأركان، قوية البنيان.
متطلبات الجودة وأساطين المساجلات
لقد امتلك الفرسان الأربعة كل مقومات ومستندات جودة المادة الشعرية؛ فقصائدهم تفيض بالبلاغة الفطرية، ومطرزة بالمحسنات اللفظية والبديعية التي تأتي طائعة دون تكلف، لتعطي النص جرساً موسيقياً عذباً وقوة تعبيرية هائلة.
ولم تقتصر عبقريتهم على قصائد البناء والتروي، بل تجلت في سرعة البديهة وقوة الرد في المساجلات الشعرية بقوة الحجة وبداهة وفطنة ألمعية التي خاضوها مع جهابذة وعمالقة الشعر الآخرين في البلاد؛ حيث كان فرسان المدرسة السليمانية حاضرين بذهن وقّاد وجواب مسكت، يذودون عن حياض الكلمة وينتزعون الإعجاب في كل محفل.
ديوان الوطن والتاريخ والرجز
امتازت المسيرة الشعرية لهذه الأسرة بالشمولية والتنوع؛ فكانوا بحق مؤرخي المراحل. فقد برزوا في الشعر الوطني الحماسي الذي يلهب الحماس ويدافع عن الثوابت، وفي الشعر التاريخي الذي يوثق الأنساب والأحداث، بالإضافة إلى إبداعهم المشهود في شعر الراجز (الزوامل) الذي يمثل روح التراث اليافعي والقبلي في المناسبات الكبرى. لقد تمكن الفرسان الأربعة عبر قصائدهم من توثيق كافة المنعطفات السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد، فجاء شعرهم وثيقة تاريخية حية تنبض بالصدق وتواكب الأحداث أولاً بأول.
أبو الأحمدي: حكمة الكلمة وسعة الخيال
ويبرز الشاعر “أبو الأحمدي” كأحد أعمدة هذه المدرسة وركائزها الأدبية؛ إذ تمتاز قصائده بثراء معرفي لافت، وتتدفق بالحكمة البالغة وبلاغة التعبير، ناهيك عن سعة الخيال التي تجعل من قصائده لوحات إبداعية متكاملة تستوفي كل شروط ومقومات الشعر الحقيقي. لقد واكب الشاعر هموم مجتمعه، وعاش نبض ناسه، فجاءت كلماته عابرة للمناطق، ومحفورة في وجدان جمهوره المتابع الذي يرى في شعره مرآة للقيم الأصيلة ولحكمة الرجل المجرب.
التوثيق والتكريم: دعوة للمساهمة الوطنية
إن الدعوة لتكريم الشاعر “أبو الأحمدي” هي دعوة لإنصاف جيل بأكمله. وإذا كان الاحتفاء الجماهيري يثلج الصدور، فإن التكريم الأكبر والأبقى يكمن في توثيق هذا النتاج الشعري الضخم من خلال إصدار “سلسلة أشعار الفرسان الأربعة”.
ومن هذا المنطلق، فإننا نتوجه بـ دعوة حارة وصادقة إلى الجهات الرسمية والأدبية (وزارة الثقافة واتحاد الأدباء والكتاب)، وإلى رجال المال والأعمال والبيوت التجارية الداعمة للإبداع، للإسهام الفاعل والمادي والمعنوي في رعاية وتكريم الشاعر “أبو الأحمدي” وإخراج هذا المهرجان بما يليق بمكانته ومكانة أسرته العريقة.
إن تكريم الشاعر “أبو الأحمدي” اليوم هو بداية الغيث والخطوة الأولى على طريق تكريم بقية إخوته الفرسان (يحيى “رحمه الله”، وزايد، ومحسن) لرد الاعتبار لهذه المدرسة الأدبية التي قدمت الكثير لليافع وللوطن.
ختاماً.. نحو مهرجان يليق بالرمز
ليكن هذا المهرجان عُرساً ثقافياً يُعاد فيه الاعتبار للكلمة الصادقة، ويُحتفى فيه بفرسان سخروا أقلامهم وقوافيهم لخدمة مجتمعهم وإثراء وجدانه. تحية للشاعر الكبير أبو الأحمدي، والرحمة للراحلين من هذه الأسرة الولّادة، والتحية والتقدير لفرسان الكلمة المستمرين في العطاء
أحمد يسلم