شارك الخبر
جمال شنيتر
في عصر أول من أمس، كانت خطاي تقودني إلى مكان ليس ككل الأمكنة.. إلى قوبان تلك الأرض التي يحمل اسمها رنينا خاصا ولامعا في سفر التاريخ، وتلفحك في دروبها نسائم المقاومة والشموخ ضد كل محتل.
هنا، الطين حكاية ممتدة، فمن تفاصيل عمارة الطين الباسقة تستمد هذه البلاد معاني الآباء والأنفة والشموخ التي لا تنحني لعواصف الزمن. تنظر إلى تلك البيوت، فترى كيف يتماسك الطين تماما كما تتماسك القلوب في هذه البلدة الطيبة.
قوبان آل سليمان العوالق ثقافة مجتمعية متكاملة ، عنوانها العريض: التراحم، المحبة، الصفاء، والتعاون الفطري. أما سكانها فهم رائعون حد الدهشة، يغمرونك بفيض نبلهم وبساطتهم، ويشعرونك وكأنك لم تغادر بيتك ابدا.
وما اجملها من لحظات والشمس تقترب من غروبها مع مداعبة بقية أشعتها لمباني الطين القوبانية، بينما نتأمل تلك اللحظات المبهرة في هيبة الصمت .
وما أضفى جمالا لهذه العصرية في هذه البلدة الجميلة ، حضور شخصية اجتماعية و اعتبارية متميزة كالاستاذ محمد عبدالله السليماني ، الذي ابهرني بشخصيته المثقفة و الهادئة والمتواضعة .
لقد خطوت في دروب قوبان قبل سنوات مضت، واليوم أعود لأجد أن الزمن لم يغيّر من أصالتها شيئاً. هو ذات الانطباع النقي الذي انطبع في الوجدان منذ الزيارة الأولى؛ فالأرض هي الأرض، والمعدن الأصيل لا يتبدل.
في هذه الجولة، وبينما كانت عيناي تتأملان عمارة الطين الباسقة التي تستمد منها البلاد معاني الإباء والشموخ، تحركت شجون الذكرى، وافتقدت في تلك الأزقة وجوهاً غالية كانت بالأمس ملء السمع والبصر.
تذكرتُ الراحلين الرائعين: محمد عيدروس السليماني وطالب محمد مهدي السليماني …نجمان حتى في غيابهما ،. رفاقاً وأحبةً غادروا دنيانا الفانية ورحلوا عنها، لكن أثرهم الطيب وطيفهم النبيل ما زال حياً يتجول في تفاصيل قُوبان. غيبهم الموت، وبقيت ذكراهم العطرة كشاهدٍ على ثقافة هذا المجتمع الأصيل، ثقافةٍ عنوانها التراحم، المحبة، الصفاء، والتعاون، وسكانها الرائعون، وتاريخها اللامع في سفر المقاومة ضد الاحتلال البريطاني ، وروح الراحلين التي ترفرف في الأرجاء، كلها تفاصيل تجعل من قُوبان لوحة من الوفاء والكرامة التي لا تنساها الذاكرة.
رحمة الله عليهما وغفر لهما، وحفظ الله قوبان وأهلها الأوفياء.