شارك الخبر
إن قضية الفتاتين الفرنسيتين فيرونيكا تروي (Véronique Troy) وفرانكا سكريفين (Franca Scrivin) تعد واحدة من أبشع الفصول اللوجستية في مؤامرة اغتيال الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي وشقيقه عبد الله في 11 أكتوبر 1977.
لم تكن الفتاتان شريكتين في الجريمة، بل كانتا ضحيتين استُخدمتا كـ “كومبارس” لتلفيق مسرحية أخلاقية تُغطّي على الاغتيال السياسي وتضرب شعبية الحمدي الجارفة.بناءً على التقارير الاستخباراتية المسربة عبر “ويكيليكس” وشهادات رجالات الدولة المعاصرين للحدث.
#لماذا هما بالذات؟ (سبب الاختيار)
– الحاجة لوجه أجنبي: اختيار فتاتين يحملان الجنسية الفرنسية (الأجنبية) كان مقصوداً بذاته لعدة أسباب:
#تجنب الثأر القبلي: لو كانت الفتاتان يمنيتين لفضحت القبائل اليمنية الجريمة فوراً بداعي الثأر والعيب القبلي، واختيار أجنبيات يضمن عدم وجود سند عشائري لهن داخل اليمن.
#صدمة المجتمع المحافظ: وجود فتيات فرنسيات شقراوات في مجتمع يمني محافظ جداً في السبعينيات، مع وجود زجاجات خمر و”مظاهر ماجنة” (مفبركة)، يضمن تحقيق “صدمة أخلاقية ودينية” تهدف لإنهاء رمزية وصورة الحمدي كرئيس وطني ونزيه في نظر الشعب والقبائل.
#تشتيت التحقيق الدولي والداخلي: خلط الأوراق بإدخال عنصر أجنبي في القضية يجعل التحقيق الجنائي يبدو وكأنه تصفية حسابات شخصية أو اشتباك غامض، مما يُبعد التهمة السياسية المباشرة عن المنفذين المحليين ورعاتهم الإقليميين.
#الخداع الكامل (لم تكن لديهن أي فكرة عن اليمن)
#فتيات حانات:
وفقاً للوثائق الاستخباراتية التي سربها موقع “ويكيليكس” (والتي استندت لشهادات أصدقائهن المقربين في باريس)، كانت فيرونيكا وفرانكا تعملان في حانة لبيع الخمور بباريس.
الإيهام الوظيفي: تم استدراجهن عبر دبلوماسيين يمنيين موالين للانقلاب في باريس، حيث عُرض عليهن مبلغ مالي كبير جداً حينها (نحو 6 آلاف جنيه إسترليني لكل واحدة).
الحيلة: جرى إيهامهن بأنهن سيسافرن في رحلة سياحية وترفيهية راقية لليمن، وأنهم سيكونون “ضيفات لدى رئيس الدولة” أو شخصيات رفيعة. وافقت الفتاتان على العرض بدافع المال والسياحة، دون أن تدركا أنهما تسيران إلى مسلخ بشرى طُبِخَت تفاصيله مسبقاً.
#البيئة المهنية والاجتماعية المناسبة للفبركة
بما أن الخطة كانت تقتضي وضع جثتيهما بجوار جثتي الحمدي وأخيه وتصوير المشهد على أنه “سهرة ماجنة” لضرب سمعة الرئيس؛ كان المتآمرون بحاجة إلى فتيات يسهل إقناعهن بالسفر السريع، وتوفر طبيعة عملهن في باريس غطاءً سهلاً لإقناع الرأي العام الخارجي لاحقاً بالرواية الكاذبة.
#التوقيت اللوجستي الدقيق (9 أيام فقط)
شبكة المتآمرين اختارت فتيات يعشن في باريس لأن لديهم أدوات دبلوماسية جاهزة هناك لتسهيل وخروج المعاملات بشكل عاجل وسري جداً. استُخرجت جوازات سفرهن وتأشيراتهن، ووُصلن إلى صنعاء في 2 أكتوبر 1977 (أي قبل الاغتيال بـ 9 أيام فقط)، ليتطابق زمن وصولهن بدقة مع الترتيبات النهائية لليلة الغداء الأخير في 11 أكتوبر.
#شهادة الدبلوماسي الأمريكي (الحقيقة الموثقة)
أكد نائب رئيس البعثة الأمريكية في صنعاء آنذاك، ديفيد رانسوم، في تقارير لاحقة، أنه التقى بالفتاتين بالصدفة في صنعاء قبل مقتلهما بأيام.
وأكدت التقارير أن الفتاتين كانتا تتصرفان كسائحتين عاديتين تماماً، ولم يكن لديهن أي صلة بالرئيس، وتمت تصفيتهما بدم بارد في الشقة السكنية فقط لتجريدهما من ملابسهما ووضعهما بجوار جثة الحمدي وأخيه بعد قتلهما في منزل أحمد الغشمي.
#لم يلتقِ الرئيس إبراهيم الحمدي بهاتين الفتاتين مطلقاً طوال حياته، ولم يبتسم لهن أو يصافحهن، ولم تكن بينه وبينهن أي معرفة سابقة.اختيارهن لم يكن ناتجاً عن تصرف صدر من الحمدي، بل تم انتقاؤهن بعناية فائقة من قِبل أجهزة الاستخبارات وشبكة المتآمرين بناءً على مواصفات محددة جعلت منهن “الطُّعم المثالي” لإنجاح المؤامرة.
#الفشل الكبير: وعي شعب ووفاء أمة
– خيب الشعب اليمني آمال القتلة بوعي فائق وفطرة نقية، وتحولت المؤامرة إلى عكس مرادها تماماً:
#رفض مطلق للتزييف: لم تنطوِ الحيلة على اليمنيين لعلمهم بنزاهة وعفة “الحمدي” وطهارة يده وسلوكه؛ فرفض الشارع الرواية الرسمية الهزيلة منذ الساعات الأولى.
#تحول الشهيد إلى أيقونة: بدلاً من إنقاص قدره، تضاعف حب الناس له، وتحول الحمدي في وجدان الشعب إلى رمز وطني خالد يمثل حلم الدولة العادلة المستقلة.
#النتيجة المستمرة إلى اليوم:
لقد ذهب القتلة والمخططون إلى مزابل التاريخ تلاحقهم لعنة الغدر والتزييف، وبقي إبراهيم الحمدي حياً في الذاكرة اليمنية كأنقى من حكم البلاد، ملهماً للأجيال التي لم تعاصره، ليثبت التاريخ أن وعي الشعوب وحبها الصادق أقوى من كل مطابخ الفبركة وأبواق التشويه.
✍️ محرم محمد حسين