شارك الخبر
*بقلم/ صالح علي محمد الدويل*
*1يوليو 2026م*
*يقدّم الاستاذ ياسين سعيد نعمان في مقالته “المجتمعات وظاهرة التكيف مع الواقع” تشريحاً هادئاً لواحدة من أخطر أمراضنا السياسية ، فهدوء الطرح وعمق الموضوعية فيه هو ما يجعل النقاش معه ضرورة لا ترفاً*
*أوافق الدكتور نعمان أن “التكيف” ظاهرة حقيقية تهدد أي مجتمع يطول عليه “الألم” عندما تتحول الكهرباء المنقطعة والراتب المتأخر والطابور الطويل إلى “روتين يومي” نكون فعلاً أمام خطر ثقافي كبير وتشخيصه لدور النخب ولتحوّل القمع إلى “مراوغة” يستحق الوقوف عنده طويلاً*
*لكن ليس كل تكيف هو تكيف!!!!*
*فالتكيف الاجتماعي وفق تعريفه العلمي هو “عملية سلوكية معقدة هدفها توفير التوازن بين الفرد والتغيرات في المحيط للوصول إلى أعلى درجات المشاركة الإيجابية والشعور بالأمان والإنتاج”*
*أما ما يصفه الدكتور نعمان فهو “تكيف مرضي” وتعديل سلوك قسري مع الظلم والفساد والفقر هدفه البقاء فقط لا التطور وهذا عكس التكيف السليم تماماً*
*وهناك ثلاث ملاحظات جوهرية*
*الأولى:*
*التكيف الذي نعيشه حالة اضطرار وليس هوية ، فالفرد اليوم “يتكيف” ليبقى حياً لا لأنه أحب واقعه ، فهناك فرق كبير بين من يشتري دبة ماء بسعر خيالي مجبراً ، وبين من يرى أن العطش فضيلة فمعظم الناس في تكيف “مرضي” فرضته معوقات الواقع لا “تكيف سليم” اختاروه*
*الثانية:*
*تعميم “النخب” فيه مساواة بين الجلاد والطبيب ، فهناك “نخب مقاسمات” تحترف تقسيم الوطن ككعكة عائلية ، سلطة تُقسم في الغرف المغلقة ، وثروة تُنهب بعقود التراضي ، ومناصب تُورّث كأنها دكاكين ملك تبيع المستقبل بالجملة لأبنائها وأقاربها وشللها. لكن تعميم الحكم يلغي الفرق بين هذه النخبة، وبين نخبة في الجبهات وطبيب في مستشفى بلا أدوية ومدرس يدرس بلا راتب فإذا فقد المجتمع ثقته في الكل بالتساوي فمن سيبني “الأسس” التي يقوم عليها أي تكيف سليم؟*
*الثالثة:*
*الشرعية والحوثي ليسا نموذجين لنفس “التكيف” وصف الحالتين بـ “التكيف” يخفي “فرق نوع” ، فالحوثي مشروع كهنوتي ينتج “تكيفاً مرضياً” بالقوة .. طاعة بلا سؤال .. وقمع لأي محيط داخلي للفرد فيه دوافع وخبرات وقيم. بينما في مناطق الشرعية رغم التفك والفساد لا تزال هناك مساحة الرفض فقضية الجنوب لم تتفكك سياسيا رغم محاربتها بل ظل تعبيرها قويا ، وهناك مساحة ضعيفة لكنها موجودة للسؤال والصحافة والاعتراض هي مساحة تحاول بصعوبة أن تنتج توازناً لا استسلاماً*
*تشخيص الدكتور نعمان إنذار مبكر عن “التكيف المرضي” لا حكم إعدام على المجتمع ، ووظيفة النخب اليوم ليست جلد الناس بـ “أنتم متكيفون” بل كسر معوقات التكيف وتوفير أسسه : أمن… راتب… دولة.. كرامة… وآليات قانونية وسياسية وثقافية للتغيير. وفي الجنوب يبدأ هذا التغيير بالاعتراف أن فك الارتباط هو الأصل، والخدمات هي الاستحقاق الذي يأتي بعده لا بديلاً عنه*
*لأن الناس لا تخرج من التكيف المرضي بخطبة عن خطورته بل بخطوة عملية تنقلهم من “تعديل سلوك للبقاء” إلى “مشاركة إيجابية للتغيير لما هو أفضل”*