شارك الخبر
عمرو عبدالحميد
لا أحد يعلم ماذا دار في ذهن بوتين في اللحظات التي وقف فيها أمام نعش سيرغي إيفانوف ليلقي عليه نظرة الوداع..
ربما استعاد مقاطع من شريط الذكريات التي جمعتهما منذ عملهما في فرع KGB في مدينتهما الأثيرة ليننغراد، وحتى تدرجهما على هرم السلطة..
بوتين تربع على عرش الكرملين..
بينما أصبح إيفانوف أول مدني وزيراً للدفاع!
قبل حلول الانتخابات الرئاسية في 2008 كان الجميع يضرب أخماساً في أسداس للإجابة عن السؤال الصعب:
مَنْ سيخلف بوتين الذي يمنعه الدستور من الترشح لفترة ثالثة؟
كان ذلك ضمن أسئلة طرحتها على الرئيس الروسي في لقاء خاص أجريته معه عام 2007.. يومها أجابني:
” بالطبع هناك أمور كثيرة تتعلق بالشخص وهي قاعدة عامة لا تُستثنى منها روسيا لكن الشيء الأهم هو استمرارية النهج الذي يطبق حالياً والذي حسب رأيي أثبت جدواه تماما في إعادة تدعيم صرح الدولة ووحدة أراضيها وتنمية اقتصادها” ..
كان إيفانوف إلى جانب ميدفيديف – وكلاهما إبن ليننغراد – أبرز المتنافسين على القيام بالمهمة التي وضعها بوتين: ” استمرارية النهج” ..
في ذلك الوقت كانت الكفة تميل في بورصة التكهنات إلى إيفانوف ..قبل أن يحسم سيد الكرملين الأمر، ويضع الحقيبة النووية بصحبة تلميذه المفضل و”المطيع” دميتري ميدفيديف لأربع سنوات!
ربما مَثَّلَ ذلك صدمةً لإيفانوف..
لكنه ظل حتى أيامه الأخيرة ضمن “صقور” الدائرة الضيقة المحيطة ببوتين.
مؤكدٌ أن زعيم الكرملين تذكر ذلك وهو يلقي النظرة الأخيرة على رفيقه الذي ” عشّمَه” – يوماً ما – في حمل لقب الرئيس، قبل أن تتغير الحسابات!
التقيت مع إيفانوف مرات عديدة في مناسبات مختلفة، وأجريت معه حوارين حين كان وزيراً للدفاع..
أتذكر أن حواراً منهما جاء بعد شهر واحد من حادثة مدرسة بيسلان الشهيرة، حين قامت مجموعة من الانفصاليين الشيشان باحتجاز المئات في مدرسةٍ جنوبي روسيا في الأول من سبتمبر عام 2004، والتي خلفت 334 قتيلاً معظمهم من تلاميذ المدرسة.. شكلت تلك المأساة صدمة كبيرة في عموم البلاد.. وبدا إيفانوف في حواره معي منفعلاً لدرجة كبيرة، مؤكداً:
” أن بلاده ستشن ضربات استباقية ضد ما تعتبره مواقع وأوكار للإرهابيين في “أي مكان في العالم” من دون استشارة أحد وبكل الأسلحة ما عدا “النووي”..موضحاً أن عددا مقدراً من مقاتلي تنظيم “القاعدة” خصوصاً من الأتراك ينشطون في الشيشان ويقومون بالمهام الرئيسية” .. و مضيفاً: “نحن نعتقد أن حرباً قد أعلنت ضدنا وكما في أي حرب فإن جميع الوسائل مشروعة.. إننا مستعدون للذهاب إلى أقصى مدى بالقدر الذي يضمن للمواطن الروسي أمنه، خاصة أن مواطنينا يتعرضون اليوم لخطر الإرهاب”.
ترك إيفانوف وزارة الدفاع عام 2007 بعد أن نجح في إعادة بناء الجيش الروسي..الأمر الذي ساعد في تحقيق النصر في حرب الشيشان الثانية، والحفاظ على وحدة البلاد، التي كان يهددها شبحُ انهيار الإتحاد السوفيتي!
منذ ذلك التاريخ جرت في النهر مياهٌ كثيرة..وتوارى في الظل عديدون كإيفانوف، و مثلهم ظهر عشراتٌ ممن اقتربوا من وهج أضواء الكرملين الساطعة و”الحارقة” في آن! ..
القاسم المشترك أن الجميع يؤمن ب”استمرارية النهج”..
على الأقل في الوقت الراهن.