شارك الخبر
مع نهاية الحرب، كانت الاستخبارات السوفيتية (NKVD) تشعر بأن الأمريكيين استولوا على الحصة الأكبر من علماء الصف الأول (مثل فون براون).
وفي لحظة حاسمة، صدر أمر مباشر من الرجل الأول جوزيف ستالين:
“اجمعوا ما تبقى من الأدمغة الألمانية، فنيين، مهندسين، وعلماء.. نريدهم جميعاً في موسكو قبل الشروق”.
في الساعات الأولى من فجر يوم 22 أكتوبر 1946، تحركت أكثر من 90 ألف من قوات الجيش الأحمر والاستخبارات السوفيتية في توقيت متزامن عبر المنطقة التي يسيطرون عليها في ألمانيا الشرقية وبرلين..
طرقات عنيفة على الأبواب بالبنادق والمدافع الرشاشة أوقظت في هذه الليلة أكثر من 2200 عالم ومهندس وفني ألماني مع عائلاتهم (ليصل الإجمالي إلى أكثر من 6000 شخص).
كانت الأوامر صارمة، وُضعت أمامهم ورقة كُتب فيها: “أنت الآن منقول للعمل في الاتحاد السوفيتي بموجب قرارات القيادة العسكرية.. أمامك ساعتان فقط لجمع أمتعتك وأثاثك وكل ما يلزمك في هذه الرحلة دون عودة”.
و قبل أن تشرق الشمس، جرى شحن العلماء وعائلاتهم ومعدات مختبراتهم بالكامل داخل 92 قطاراً عسكرياً انطلقت على الفور نحو عمق الأراضي السوفيتية، في أكبر عملية اختطاف تكنولوجي جماعي منظمة في التاريخ.
وعلى العكس من أمريكا، لم يمنح السوفيت هؤلاء العلماء الجنسية أو المناصب القيادية في البداية؛ بل تم توزيعهم على مخيمات ومدن علمية مغلقة وسرية ما كان يسمى بـالجولاك المخصصة للعلماء والتي كانت تحيط بموسكو وسيبيريا.
كان التكتيك السوفيتي يعتمد تماماً على “الهندسة العكسية”…
كانوا يضعون العلماء الألمان خلف المكاتب والمختبرات، ويحيطونهم بمهندسين سوفيت شباب يتعلمون منهم أسرار الصنعة.
وبمجرد أن يستوعب المهندس السوفيتي التكنولوجيا الألمانية بالكامل، يتم الاستغناء عن العالم الألماني وتهميشه ليبقى المجد خالصاً للاتحاد السوفيتي.؟
رغم أن السوفيت حاولوا طمس دور الألمان تاريخياً لإظهار عبقرية “البروليتاريا الشيوعية”، إلا أن الأوراق السرية تكشف أن الترسانة السوفيتية ما كانت لتنهض لولا رجال ليلة 22 أكتوبر:
السوفيت اختطفوا المساعد الأول لفيرنر فون براون، وهو العبقري “هلموت جروتروب” مع فريقه بالكامل.
تم عزلهم في جزيرة “غودومليا” النائية.
جروتروب هو الذي ساعد الأب الروحي للصواريخ السوفيتية “سيرجي كوروليف” في فك شفرات صاروخ V-2 الألماني.
وبفضل تصاميمه، طوّر السوفيت صاروخ R-7، وهو أول صاروخ باليستي عابر للقارات في تاريخ البشرية، وهو الصاروخ ذاته الذي استخدمه السوفيت لإطلاق أول قمر صناعي (سبوتنيك – 1) وصعود يوري غاغارين كأول إنسان للفضاء، ليوجهوا صفعة تاريخية لأمريكا !
والمهندس الألماني العبقري “برونولف باوده”، الذي كان يصنع قاذفات الجيم المبتكرة للنازية، تم نقله قسراً ليعمل في مصانع الطائرات السوفيتية الكبرى.
أبحاث باوده وفريقه في أجنحة الطائرات المرتدة ومحركات الدفع التوربيني كانت الأساس الإستراتيجي الذي بنيت عليه القاذفات النووية السوفيتية العملاقة مثل Tu-95 (البجعة/الدب)، والتي ما زالت ترعب الغرب حتى يومنا هذا.
السوفيت لم يسرقوا مهندسي الطيران فقط، بل خطفوا علماء فيزياء ألمان وعلى رأسهم “مانفريد فون أردين” .
هذا العالم أشرف سرياً على بناء “الطاردات المركزية” التي نجحت في تخصيب اليورانيوم للسوفيت، مما سرّع بإنتاج أول قالمة ذرية سوفيتية عام 1949، لينهي الاحتكار الأمريكي للسلاح النووي قبل سنوات مما كان يتوقعه البنتاغون.
بحلول أوائل الخمسينيات، شعر ستالين والقيادة العسكرية أن المهندسين السوفيت قد “عصروا الليمونة الألمانية” تماماً، واستوعبوا كل التكنولوجيا المتطورة. وبدءاً من عام 1951 وحتى 1954، جرى ترحيل هؤلاء العلماء وعائلاتهم ببطء وسرية تامة وإعادتهم إلى ألمانيا الشرقية، بعد أن جُرِّدوا من كل مخططاتهم، وأُجبروا على توقيع وثائق “كتمان أسرار” صارمة تحت طائلة الإعدام.
إذا كانت أمريكا قد اشترت عقول الألمان بـ “مشبك ورق” وحياة رغيدة، فإن الاتحاد السوفيتي قد انتزعها بقسوة السلاح في ليلة لم تشهد لها البشرية مثيلاً.
والنتيجة كانت الحرب الباردة بأكملها، بصواريخها وقنابلها وغزوها للفضاء، كانت عبارة عن عقول ألمانية برداء أمريكي.. تصطدم بعقول ألمانية مأسورة برداء سوفيتي!