شارك الخبر
في قلب جبل حديد، وعلى أحد أهم المواقع الاستراتيجية المطلة على مدينة عدن، يقف معلم تاريخي استثنائي يروي فصولًا من المجد العسكري والإرث التعليمي للجنوب، إنه مدرسة أبناء السلاطين؛ المبنى الذي بدأ حصنًا دفاعيًا يحمي بوابة عدن، ثم تحول إلى واحدة من أشهر المؤسسات التعليمية التي تخرج فيها أبناء السلاطين والأمراء والحكام.
عدن.. مدينة صنعتها الجغرافيا
منذ العصور القديمة، اكتسبت عدن مكانتها العالمية بفضل موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة البحرية، فأصبحت محطة رئيسية للقوافل والسفن القادمة من الهند والصين وشرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، الأمر الذي جعلها مطمعًا للقوى المتنافسة، ودفع حكامها إلى إنشاء منظومة دفاعية محكمة من القلاع والأسوار والثكنات لحماية المدينة ومينائها.
ثكنة عسكرية تحرس بوابة عدن
شُيدت الثكنة في جبل حديد ضمن سلسلة التحصينات البرية التي كانت تؤمن باب عدن وتراقب الممرات المؤدية إلى المدينة، وشكلت مع القلاع والأبراج المحيطة بها خط الدفاع الأول ضد أي هجوم بري، مستفيدة من الطبيعة الجبلية الفريدة التي جعلت عدن واحدة من أكثر المدن تحصينًا في المنطقة.
الاحتلال البريطاني وتحولات المبنى
بعد احتلال عدن عام 1839م، استخدمت السلطات البريطانية المبنى كثكنة دفاعية، ثم مقرًا لقيادة معسكرات البرزخ، قبل أن يتحول إلى نادٍ ومطعم لضباط الوحدة الهندية.
وفي عام 1922م، شهد المبنى حدثًا تاريخيًا بارزًا عندما احتجزت فيه السلطات البريطانية الزعيم المصري سعد زغلول أثناء ترحيله إلى منفاه في جزر سيشل.
ميلاد مدرسة أبناء السلاطين
في أكتوبر 1934م، أشرف المستشار البريطاني وليم هارولد أنجرامز على إعادة تأهيل المبنى وتحويله إلى مدرسة داخلية حديثة لأبناء السلاطين والأمراء، حيث أُنشئت الفصول الدراسية وغرف السكن وقاعة الطعام والمسجد.
وفي 1 أبريل 1935م افتُتحت المدرسة رسميًا، لتصبح مؤسسة تعليمية مرموقة احتضنت أبناء سلاطين وإمراء الجنوب، وأسهمت في إعداد جيل من القيادات التي تولت مسؤوليات سياسية وإدارية في مختلف السلطنات والإمارات.
وقد شارك في تمويل إنشاء مسجد المدرسة وترميمها عدد من سلاطين وإمراء الجنوب، في مقدمتهم سلاطين لحج، والمكلا، والفضلي، والعوالق، ويافع، والواحدي، والكثيري، إلى جانب عدد من المشايخ والشخصيات البارزة، في لوحة تاريخية تعكس روح التعاون بين إمارات وسلطنات الجنوب آنذاك.
تحفة معمارية تواجه خطر الاندثار
يتكون المبنى من أربعة طوابق شُيدت بالحجر الشمساني، ويتوسطه سلم خشبي ضخم، وتحيط به شرفات خشبية وأبراج دفاعية دائرية منحوتة بإتقان، ما يجعله أحد أبرز نماذج العمارة العسكرية في عدن.
إلا أن هذا الصرح التاريخي تعرض خلال العقود الماضية لعمليات عبث وتعديلات عشوائية شوهت أجزاءً من هويته المعمارية، كما تهدد أعمال الحفر والتكسير في الجبل المجاور سلامته الإنشائية، وسط مطالبات متزايدة بترميمه وإدراجه ضمن أولويات حماية التراث.
شاهد على ذاكرة عدن
تمثل مدرسة أبناء السلاطين أكثر من مجرد مبنى أثري؛ فهي سجل حيّ يوثق مراحل مهمة من تاريخ عدن العسكري والتعليمي والسياسي، وشاهد على حقبة صنعت فيها المدينة مكانتها بوصفها إحدى أبرز الحواضر في المنطقة، والحفاظ على هذا المعلم ليس مسؤولية ثقافية فحسب، بل واجب وطني لصون أحد أهم شواهد الهوية التاريخية للعاصمة عدن
# ابرز المعلومات تم نقلها من تقرير سابق للدكتورة #هيفاء_مكاوي، رئيسة قسم الاثار والسياحة في كلية الاداب جامعة عدن