شارك الخبر
كتب . محمد محسن العمري
وأنا اليوم على مشارف الثمانين من عمري، كثيرًا ما أتساءل: من أين بدأ هذا الشغف الذي لازم حياتي كلها؟ متى انفتحت أمامي أبواب القراءة حتى أصبح الكتاب رفيقًا لا يفارقني، في السفر والإقامة، في الفرح والشدة، وفي كل مراحل العمر؟
لكل نهر منبع، ولكل شجرة باسقة بذرة، ولكل شغف بداية. ولشغفي بالقراءة أيضًا بداية لا تزال صورتها حية في وجداني، وإن غابت عن ذاكرتي بعض تفاصيلها.
كنت يومها في الثانية عشرة من عمري، في الصف الرابع الابتدائي أو أول المتوسط، وذلك في حدود عام 1960 أو 1961. كنت، فيما يتعلق بالقراءة، أشبه بأرض بور عطشى للماء، تنتظر من يهيئها للحرث والبذر، دون أن تدري أن الساقي في طريقه إليها.
ولا أدري، ولا أذكر، كيف ساقت الأقدار ذلك الرجل النبيل ليلحظ في ذلك الصبي ذلك العطش الخفي إلى القراءة. كيف انتبه إليه؟ وكيف قرر، من تلقاء نفسه، أن يتكفل بشراء مجلة الأطفال المصرية سمير لي أسبوعًا بعد أسبوع؟ لا أعرف. كل ما أعرفه أن هذا العمل البسيط في ظاهره كان نقطة تحول كبرى في حياتي.
كان ذلك الرجل هو الحاج علي عبدالرب علي العمري، أسأل الله أن يمنحه الصحة والعافية، والعمر المديد في طاعته، وأن يحسن خاتمته، وأن يجزيه عني خير الجزاء.
كان وصول يوم صدور مجلة سمير عيدًا أسبوعيًا بالنسبة لي. كنت أترقبها بشغف، وأحلم بها ليلًا، وما زلت إلى اليوم أذكر رائحة ورقها المميزة، وكأنها ما زالت عالقة في الذاكرة رغم مرور أكثر من ستة عقود.
وكان أكثر ما يدهشني، وأنا أستعيد تلك الأيام، هو انتظام الحاج علي في الوفاء بهذا الموعد. ففي ظهر اليوم الذي تصل فيه المجلة إلى مكتبة الشيباني في الشيخ عثمان، كان يحضر ليشتريها دون انقطاع. لم يكن الأمر مرة أو مرتين، بل عادة أسبوعية ثابتة، تحمل من معاني الوفاء والاهتمام أكثر مما كنت أستوعبه وأنا طفل.
كنت أستلم ذلك الكنز الثمين وأنا في طريقي عائدًا من مدرسة النهضة العربية في الشيخ عثمان إلى مقر سكني عند عمي سالم – رحمه الله – في معسكر الشرطة بشمبيون لاين في خورمكسر. وكنت طوال الطريق أفكر في اللحظة التي سأختلي فيها بالمجلة، فأقرؤها من الغلاف إلى الغلاف، ثم أعيد قراءتها مرة بعد أخرى، حتى إنني كنت أحفظ بعض القصص والحوارات عن ظهر قلب.
لم يكن الحاج علي يعلم، على الأرجح، أنه لم يكن يشتري لطفل مجلة أسبوعية فحسب، بل كان يسقي بذرة كامنة في أعماقه. بذرة نمت مع الأيام، وتحولت إلى شغف دائم بالقراءة، ثم إلى حب للمعرفة والبحث والكتابة والترجمة، وظلت ترافقني طوال حياتي.
لقد كان بحق الساقي الأول. وما أكثر ما ننسى في حياتنا أولئك السقاة الذين يمرون بهدوء، فيمنحون الآخرين فرصة النمو، ثم يمضون دون أن ينتظروا شكرًا أو جزاء. ولو لم يأتِ ذلك الساقي في الوقت المناسب، لعل تلك الأرض العطشى كانت ستنتظر طويلًا حتى تجد من يرويها.
سيظل فضل الحاج علي عبدالرب علي العمري محفورًا في ذاكرتي ما حييت، لأنه لم يسقِ عطش طفل إلى مجلة، بل سقى عمرًا كاملًا من حب القراءة، وهو فضل لا يُنسى، يشبه فضل من يعتني بأرض بور، فيحرثها، ويرويها، ويبذر فيها البذرة الأولى، ثم يترك للزمن أن يصنع منها بستانًا.