شارك الخبر
ياللهول حين أرعبني ما نقله علي البخيتي في مقطع من فيديو للشيخ محمد ناصر العامري في حديثه عن العورة والغيرة، ومصدر هذه العورة — كما قال — أفخاذ لاعبي كرة القدم في مشاهدات كأس العالم، ومضى في قوله: كيف لمسلم يسمح لزوجته أو أخته أو قريبته أن تتفرج على عشرين فخذاً — كما قال — في مباراة واحدة، معللاً ذلك إلى ذهاب الغيرة والشرف… إلخ.
إلى قبل هذا، كنت أرى الشيخ العامري من أفضل شيوخ الدين وأعقلهم وألطفهم أسلوباً وتناولاً من خلال متابعاتي له على قناة السعيدة، أما بعد اليوم فقد صعقت من مستوى هذا التفكير المخيف، وعن مفاهيم الغيرة والأفخاذ في عالم العامري ومن معه.
إن هذا التفسير الغريب، والربط العجيب، لا يخطر ولن يخطر على بال كل نساء العالم — وأقسم بالله على ذلك — فكيف خطر هذا تحديداً على بال هذا الشيخ؟!
هنا تكمن الصدمة الحقيقية؛ فبينما يرى العالم في “المونديال” صراع استراتيجيات، وهندسة ملاعب، وتفوقاً بدنياً، وعولمة ثقافية، ينفرد خط عريض من جهابذتنا برؤية الكون من ثقب إبرة ضيق. ويبدو أن “النظرية النسبية” وفلسفة الوجود بأكملها عند هؤلاء قد تم اختزالها واحتكارها في مسافة جغرافية مقدسة لا تتعدى بضعة سنتيمترات: ما بين السرة والركبة! في هذا النطاق الضيق يدور فلكهم، وتُبنى حضارتهم، وتُقاس “ترمومترات” الشرف لديهم.
المرأة الطبيعية حين تتابع مباراة، يتجه عقلها لمتابعة التنافس والإثارة، لكن في “عالم العامري” تتحول الشاشة بقدرة قادر إلى “مسح راداري” متفرغ فقط لعدّ وإحصاء عشرين فخذاً تركض يمنة ويسرة! إنه إسقاط نفسي عجيب، يفضح هوساً دفيناً بالجسد؛ حيث يغيب العقل والجهد الرياضي تماماً، ليبقى “شورت” اللاعب هو القضية المصيرية والأمن القومي الذي يهدد عروش العفة!
يا لغرابة هذا المنطق “الأفخاذي” الذي يقيس شرف الأمة بمدى قصر أو طول قطعة قماش على فخذ لاعب برازيلي أو فرنسي! بينما تعيش شعوبنا أزمات فقر وجهل وتخلف حضاري تكاد تقتلع الجذور، يخرج علينا من يرى أن المأزق الحقيقي للأمة يكمن في تسعين دقيقة كروية.
يبدو أننا بحاجة ملحة لإعادة تعريف معنى “الغيرة” ونقلها من العيش في سراديب الغرائز المحبوسة بين السرة والركبة، إلى رحاب الغيرة الحقيقية: الغيرة على كرامة الإنسان، على وعيه، على تخلفه عن ركب البشرية. أما تلك الغيرة التي تصاب بالذعر والهلع من “أفخاذ المونديال”، فليست سوى انعكاس لذهنية بحاجة إلى غسيل فكري عاجل.