شارك الخبر
أحمد حرمل
في زمن اختلطت فيه القيم، وصار الإنصاف كالسراب، نعيش تناقضاً مؤلماً نهمش الأحياء، ثم نبكي الموتى، وكأن التكريم وصية مؤجلة، والعدل دين لا يقضى إلا بعد الرحيل.
يا للأسف.. واقعنا صار مرآة مكسورة، لا تعكس إلا وجوها مشوهة، وسلوكات شاذة تتلصص على ما تبقى من ماء الوجه.
أبرزها؟
تخوين الآخر، وكأن الولاء سلعة تباع في سوق النفاق.. ونصفه بالعمالة، وبالارتزاق، وكأن الكرامة حبر يمحى، أو ثوب يخلع عند أول عاصفة.
نرميه بأقذع الألفاظ، وننسى أن الكلمة سيف، وأن اللسان قد يكون أدمى من حد الحديد.
نقتله وهو حي .. نقصيه، نهمشه، نغلق في وجهه كل الأبواب، ونبخل عليه بكلمة إنصاف، ووسام على صدره، كأن العدل دين مؤجل، وكأن التكريم وصية لا تنفذ إلا بعد الرحيل.
فإذا مات أو اختفى عن المشهد، يصبح بطلاً فجأة، وكأن الموت أو الاختفاء صنعة تخرج العظماء من تحت الرماد .
تتسابق الجهات والأفراد لكتابة المراثي، وتعدد المحاسن، وتحصي الفضائل، وكأن القبر صحيفة بيضاء تملأ بالمديح.
نعم .. نفس الجهات التي خنقته حياً، ونفس الأشخاص الذين شتموه وخونوه، هم اليوم من يقيمون له المئوية، ويعدون له التأبين، ويزينون له التكريم، ويطبعون له صفحات في كتاب ضخم تتحدث عن وطنيته ونزاهته ونظافة يده وإخلاصه، وغيرها من الصفات الحميدة.
يا للتناقض!
كأننا اكتشفنا قيمته بعد أن صار تراباً.. كأننا نعتذر للميت عن قسوة الأحياء، ونظن أن التراب يسمع، أو أن الضريح يغفر.
لكننا ننسى أن وساماً واحداً على صدر الحي، يزن أكثر من عشرة أوسمة على قبره.
وأن كلمة أنصفته وهو على قيد الحياة، تبقى في القلب أعمق من ألف قصيدة تقال بعد الرحيل.
فكفوا عن تمجيد الموتى، واتركوا الجنازات وشأنها، وانظروا في عيون الأحياء.. فربما وجدتم هناك من ينتظر وساماً، أو ينتظر كلمة، أو ينتظر أن يرى الإنصاف وهو يتنفس، لا وهو يلف في أكفانه.
لأن التاريخ لا يرحم، وذاكرة الظلم لا تموت، والأرض التي شربت دم المظلوم، تزهر يوماً بلهب لا يطفأ.