شارك الخبر
أحمد حرمل
ليس أقسى على الأمم من أن تقيد أقدارها بأيدي لا تبصر إلا ما تهوى، ولا تسمع إلا صدى أمانيها، فتدير شؤونها كرواية خيالية كتبت في غرف معزولة، لا تمت للواقع بصلة.
وهنا يكمن الخطر الأعظم ؛ حين يغدو الحلم عوضاً عن الرؤية، وتصبح العاطفة الجياشة خير دليل للقائد، فينقاد وراء سراب ما يتمنى، تاركاً خلفه جراح ما هو كائن.
كم من قيادات غالت في أوهامها، فاتخذت من أمنياتها مرايا تعكس ما تشتهي لا ما يمليه الواقع القاسي.
بنت قراراتها على رمال العاطفة المتحركة، وسارت خلف فرضيات ولدت في رحم الغرف الموصدة، نائية عن نبض الشارع وحقائق الأرض الصلبة.
رسمت سيناريوهاتها بمساحيق وردية تخدع البصر، غاضة الطرف عن مؤشرات كانت تصرخ في وجهها محذرة “إن الطريق وعر، والمآل وخيم”.
لكنها أصرت على الإبحار في لجج الضباب، حتى إذا ارتطم مركبها بصخرة الحقيقة، كانت الصدمة أقسى من أن تحتمل، والخسائر أفدح مما كان في الحسبان.
وحينها، وبدلاً من مراجعة الذات، يعتصرها الفشل عناداً ، وتقابل الهزيمة بحماقة التمادي، وتلقي بتبعة الإخفاق على كل ذي نفس إلا نفسها.
فتكون النكسة أضعاف الأولى، والانكسار أعمق في الأعماق، ويظلون حقبة من الزمن أسيري رعب اللحظة التي لم يتهيأن لها، لأنه، بكل بساطة، أبين إلا أن يغمضوا أعينهم عن الواقع كما هو.
نصائح لمن بيدهم القرار:
• الاوطان تدار من وراء شاشات لامعة، ولا من طيات تقارير مزيّفة. انزلوا إلى رحاب الشارع، واقرأوا هموم الناس في مآقي أعينهم، وتلمسوا الخبر بأناملكم قبل أن تنطق به الألسن.
• حرروا العقل من سجن العاطفة؛ فمن حقكم أن تحبوا وتكرهوا وتغضبوا، ولكن ميزان الحكم لا يزن إلا بالعقل الجامد، والوثيقة الموثوقة.
• واجهوا الوقائع ولو تدثر بثياب الألم؛ لأن التغافل عن الجرح لا يداويه، بل يؤجل نزيفه، فيعود أشد فتكاً مما كان.
• تحملوا مسؤولية ما تنتجون؛ فالقِيادة ليست حفلاً من الانتصارات، بل هي شجاعة الاعتراف بالهزيمة، والجرأة على البوح بـ (أخطئ)، ثم السير قدماً نحو الإصلاح.
• استشيروا من يخالفكم الرأي؛ فمن يصفق لكم في الرخاء، قد لا يكون عوناً لكم في الشدة.
• عودوا أسماعكم على صوت الناقد قبل أن يصمت الدهر في وجوهكم.
• إن الوطن لا يشيد بالأماني العابرة، بل ينصب على أسس من حقائق صارمة، وجلد في مواجهتها، وإرادة لا تلين.