شارك الخبر
🌿 ثورة 23 تموز (يوليو) قدّمت الكثير جدًّا لنا كـ عرب وكـ مُسلمين، و الفُقراء المُعدمين منّا خاصَّةً، و أنا مَدينٌ لها شخصيًّا بكُل ما حقّقته من تعليم، و مهنيّة، فلولاها ما كنت قد وصلت إلى ما وصلت إليه، و أيًّا كانَ حجمه، فقد كانت ثورةً إنسانيّة حداثيّة، و عالميّة، و لم تَكُن أبدًا مِصريَّةً فحسب.
🌿 أذكر أنني عندما كُنت أُحَضِّر لـ (رسالة الماجستير) في (جامعة لندن) التقيت المُستشرق الدكتور (فاتيكيوتس) الذي كان أحد كوادر التّدريس في (كليّة الدّراسات الشرقيّة) فقلت له إنّك قسوت كثيرًا على ثورة “يوليو” و الزّعيم (جمال عبدالناصر) في كتابك الموسوعي عن مِصر أحد أهم المراجع العربيّة و الإنكليزيّة، فـ إعترف لي، و هو الذي كان ينتقد دائمًا إندِفاعي في الدّفاع عن (عبدالناصر) في وجه خُصومه “المُستَعربين، (من الغرب)، إعترف لي أنّ عملًا عظيمًا، و هو “الإصلاح الزّراعي يغفر لـ (جمال عبدالناصر) كُلّ أخطائه، و يكفيه، و يكفي مِصر، أنه قضى على الإقطاع و انتَصر لـ الفلّاح المِصري، و أنصفه بعد قُرون من العُبوديّة و الإضّطهاد.
🌿 كانت أُمنيتي أن أُقابل الرئيس (عبدالناصر) و كُل ما إستطعت أن أُحقّقه أنّني رأيته عن بُعد عندما ألقى خِطابًا في (الإسكندريّة) بمُناسبة ذكرى (ثورة تمّوز) فعندما كنت طِفْلًا في السّنة ثّانية إبتدائيّ، قطعت ورقة من كُرّاستي اليتيمة، و كتبت فيها “أربع” كلمات “جمال عبدالناصر أنا أُحبّك”، و وضعتها في مُغلّفٍ بنّي، و كتبت العُنوان “جمال عبدالناصر ـ القاهرة”، و استجديت والدي أن يُعطيني نِصف قِرش (تعريفة) لـ شِراء الطّابع، و وضعت الرّسالة في صندوق البريد.
🌿 بعد أسابيع جاء النّاظر بـ خيزرانته الطّويلة مع عَددٍ من المُدرّسين إلى فصلي باحثًا عنّي، و كُنت نحيفًا هزيلًا أُعاني من فقر دم مُزمن نتيجة لـ (الفقر و الجُوع و الحِرمان) فكِدت أن أنهار من الخوف، فـ النّاظر كانت لُغته في المُخاطبة دائمًا “الخيزرانة” سواءً كُنت مُصيبًا أو مُخطئًا، و كنت زُبونًا دائمًا في تحيّاته و مُدرّسيه لـ مُشاغباتي أو لتأخّري عن المدرسة، و قادني و وفد “العُصي” من المُدرّسين إلى غُرفته، و هُناك أبرز مظروفًا بُنِّيًّا “ضخمًا” مفتوحًا، و سألني مُنذ متى تعرف (جمال عبدالناصر)؟ أنكرت و أنا أرتجف أنّي أعرفه، و من أنا هذا الطّفل الحافي في مدرسة لـ مخيّم (دير البلح) لـ الاجئين حتى أعرفه؟ و لكنّه أيّ النّاظر ربّت على ظهري بيده، و ليس بـ العصا، و قال إنّه فَخورٌ بي، و أعطاني الظّرف، و كان يتضمّن صورةً لـ الرئيس عبدالناصر، و خِطاب منه يشكرني، و بضعة كُتب مثل (المِيثاق و فلسفة الثّورة) على ما أذكُر، و أعتقد أنّ أهلي في (مُخيّم رفح) ما زالوا يحتفظون بالرّسالة و الكُتب، أو هذا ما أتمنّى.
🌿 أحببت (عبدالناصر) لأنّه وقف مع كُل الثورات العربيّة و شُعوبها المُستَعمرة، و فتح مِصر و جامعاتها و مُستشفياتها و قُلوب أبنائها الطيّبين لـ إحتِضان العرب و الأفارقة و الآسيويين، و وضع مِصر في مصاف الدّول العُظمى في حينها، مِثل (يوغسلافيا و الهند و روسيا و الصين) في الخندق المُواجِه لـ الاستِعمار العربي، و خاضت مِصر في عهده ثلاث حُروب في مُواجهة العُدوان الإسرائيلي الغربي، حرب السّويس، حرب عام 1967، و حرب الإستِنزاف، و كان الفضْل في إنتِصار حرب أكتوبر 1973 يعود إليه و تجهيزه لـ الجيش المِصري لخوضها لـ الثّأر من هزيمة “حزيران”.
🌿 ربّما يختلف معي كثيرون في هذا الرّأي، لـ أسبابٍ عقائديّة أو ثأريّة، و هذا من حقّهم، و لكنّ هذا الإختِلاف لا يُمكن أن يُقلّل من العديد من الحقائق و الإنجازات و الثّوابت عن هذا الرّجل العظيم، و أبرزها أنّه ماتَ فقيرًا و لم يترك قُصورًا و لا يختًا عِمْلاقًا، و لا أرصدة سريّة طافحة بـ الملايين، أو المِليارات، ولا حتّى منزلًا لـ عائلته، و كان عربيًّا مُسلِمًا عابرًا لـ التعصّب الطّائفي أو الدّيني، و جعل مِصر منارةً لـ الحداثة و العزّة، و الاستِقرار، و عُنوانًا لـ الكرامة، و قِبْلةً لكُلّ الثوّار الشّرفاء في جميعِ أنحاء العالم.
🌿 دعاني معهد العالم العربي في باريس، عندما كان موضوعيًّا و يُرَحِّب بكُلّ الآراء و ليس أسير المال، لـ المُشاركة في ندوةٍ بمُناسبة مُرور 25 عامًا على وفاة الرئيس عبدالناصر، و كان من بين المُتحدّثين وزيرا خارجيّة و داخليّة فرنسا، و وزير واحِد من مِصر، و كُنت أصغر المُتحدّثين سِنًّا و مكانةً، و قالوا في كلماتهم الكثير من الأطناب عن الرّاحل و إنجازاته، و لم يتركوا لي شيئًا أقوله و كُنت آخِر المُتحدّثين، فقُلت في كلمةٍ مُوجَزة، لولا (جمال عبدالناصر) لما كُنْتُ هُنا، أنا اللّاجئ ابن المُخيّم، أقف بينكم.
🌿 مِصر اليوم تُواجِه “موسوعةً” من الأزمات، لأنّها على مدى 52 عامًا بعد وفاته إنحرفت عن هُويّتها و دورها القِيادي الرّائد، و وقّعت إتّفاقات “كامب ديفيد” إعتِقادًا من خليفته (أنور السّادات) أنّ هذا السّلام مع العدوّ سيُحوّلها إلى جنّات عدن، فجاءت النتائج عكسيّةً تمامًا، و كانَ و ما زال هذا حال جميع الحُكومات العربيّة التي سارت على النّهج نفسه، قديمة التّطبيع أو جديدة.
🌿 رُغم حُروب الرئيس عبدالناصر و دعمه لـ (الثّورات العربيّة) كان الإقتصاد المِصري قويًّا، و الدّين المِصري الخارجي شِبه معدوم، و يتعلّق بصفقات الأسلحة فقط، و لم تتسوّل مِصر دولارًا واحدًا من أشقّائها، و صانت كرامة المِصري في جميع أنحاء العالم، عِشت في مِصر عامًا واحدًا في عهد عبدالناصر (1970)، و كُنت هُناك من بين المُشيّعين الباكِين له، و أشهد أن مِصر كانت أبيّةً غنيّة، تأكُل و تلبَس ممّا تُنتج، و تصنع كُل شيء من السيّارة حتّى معجون الأسنان، و الجمعيّات التعاونيّة كانت طافحةً بـ السِّلَع الرّخيصة المدعومة من الدّولة، و بعد أقل من عام تغيّر كُل شيء، و بدأت عمليّات التّجويع المدروسة لـ الشّعب المِصري لـ تأييسه و تكريهه بـ العرب، و دفعه نحو التّطبيع و إتّفاقات كامب ديفيد.
🌿 خُروج مِصر من كُل أزماتها لا يتم بـ القُروض الخارجيّة، عربيّة أو من صندوق النقد الدولي، و إنّما بـ إستِعادة دورها الرّيادي، و الإعتِماد على شعبها الخلّاق المُبدع، و مُكافحة الفساد بكُلّ أشكاله، و الخُروج من إتّفاقات كامب ديفيد و الحِلف الأمريكي، و إعادة تحالفها القويّ مع الزّعامة الروسيّة الصينيّة الصّاعدة للعالم، و إدارة الظّهر للحِلف الأمريكي الغربي المهزوم في أوكرانيا، و لعلّ تنبّؤات كيسنجر و بلير في هذا الشّأن خَيْرُ دليل.
🌿《لو عاد التّاريخ إلى الوراء، لـ كَتَبْتُ الرّسالة نفسها إلى الرئيس جمال عبدالناصر، و أضفت إليها كلمةً واحدة “الرئيس جمال عبدالناصر أنا أحبّك أكثر”.》🌿
عبدالباري عطوان