شارك الخبر
أحمد حرمل
المؤسف حقاً أن يبني المرء مواقفه السياسية بناء على رغباته الجامحة، لا على معطيات الأرض ووقائعها.
يريد للعالم أن ينطبق على تخيلاته، لا أن يعترف به على حقيقته؛ فيفصّل قناعاته الشخصية ثوباً واهياً، ثم يُلبسه إياها، ليصدم بعدها حين لا ينسجم نسيج الأماني مع جسد الواقع القاسي.
إنها مواقف برّاقة في مخيلة أصحابها، لكنها في جوهرها ليست سوى أمنيات مستحيلة، وُلدت في رحم الخيال، ولفظتها أنفاس الحقيقة عند أول احتكاك.
مواقف لا تسندها معطيات ولا تدعمها مؤشرات، فلا تترك في المحصلة النهائية سوى ضجيجٍ هائل بلا أثر.
أما على الصعيد الشخصي، فالمصيبة أدهى وأمرّ.
تجد من يعاديك ليس لأنك أخطأت في حقه، ويشتمك ليس لأنك أسأت إليه، بل لأنه أوهم نفسه أن تعاسته نابعة منك، وظن أن فرصةً كانت تلوح له في الأفق قد اختطفتها أنت، وأن عقبةً في طريقه أنت من نحتها.
فيُعلن حربَه في رسالة، أو منشور، أو جلسةٍ بين الأصحاب، حرباً مشفوعة بالشتائم، ومختومة بالإساءة.
متجاهلاً أن الأصل في الناس هو حسن الظن، وأن البراءة هي القاعدة الراسخة التي لا تتزحزح إلا بدليلٍ جليّ وبرهان ساطع.
لكن، ما أسهل أن نهدم الجسور بظنوننا، وما أعظم مشقة إعادة البناء بعد أن نكتشف أننا أخطأنا التقدير! فالعلاقات المبنية على التهم لا تعود نقيةً أبداً، حتى لو تبعها اعتذار، لأن الشرخ يظل ماثلاً، وسؤال التبعة معلقاً ، وهو لماذا أسأت بي الظن من البداية؟
تقتضي الحكمة ألا تحكم على كتاب من غلافه، ولا على إنسان من ظنونك، ولا على سياسة من أمنية، ولا على صديق من وهْم.
فالواقع عنيدٌ لا يهادن، والحقائق عارية لا تتجمل.
ومن خسر قلوب الناس بظنه، فقد خسر روحه قبل أن يفقدهم جميعاً.
فلنكن واقعيين في سياساتنا، منصفين في ودّنا. فلا شيء أكثر إيلاماً من أن تكتشف متأخراً أنك كنت تحارب طواحين هواء، وتُزهق أصدقاء مخلصين في معركةٍ لم تكن.