شارك الخبر
اعداد موقع دلتابرس
في ذاكرة يافع رجالٌ لم تكتب سيرهم في الكتب، لكن آثار خطاهم بقيت محفورة في الجبال والوديان والطرق القديمة، ومن أولئك الرجال المرحوم محمد علي مقباس الرهوي الكلدي، التي نرويها هنا استنادا إلى ما أورده نجله شعفل بن مقباس أذ يعد الوالد محمد علي مقباس رحمة الله عليه أحد الوجوه التي عُرفت بالأصالة والشهامة والكرم، وأحد أشهر الجمالة في حطاط وباتيس في زمن كانت فيه فيه باتيس عقب وصول النقل بالسيارات إليها تمثل محطة ترانزيت للقوافل وسيلة العبور والتجارة والاتصال باتجاه يافع وردفان وصولا إلى القرى والمناطق المختلفة
وُلد محمد علي مقباس في وادي حطاط الشهير بسرار يافع، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى باتيس، وينتمي إلى بيت الرهوي الكلدي المعروف في محيطه الاجتماعي بطيب الأصل وشهامة الموقف، حيث كانت حياة الناس يومها أكثر التصاقاً بالأرض والقبيلة والقافلة، وكانت المسافات بين القرى تقاس بما تقطعه الإبل من مسالك ودروب جبلية.
الجمالة.. مهنة الرجال في زمن الدروب
لم تكن الجمالة في ذلك الزمن مجرد مهنة لنقل البضائع، بل كانت واحدة من أهم حلقات الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فقد كانت القوافل تحمل السلع والمؤن، وتنقل حاجات الناس بين المناطق، وتربط القرى والجبال بعضها ببعض، في وقت لم تكن فيه الطرق المعبدة ولا السيارات قد وصلت إلى تلك الأصقاع.
وكان محمد علي مقباس من أولئك الذين عرفوا هذه الدروب ومسالكها، وسار بجماله المحملة بالبضائع باتجاه حطاط، ومنها إلى نقيلي الركب ومسكبة، ثم مواصلة الطريق إلى مختلف مناطق وجبال يافع والحيد.
كانت الرحلة في ذلك الزمن تتطلب معرفة دقيقة بمسالك الجبال ومواقع المياه ومواطن الاستراحة، فضلاً عن الصبر والتحمل ومواجهة مشقة السفر وتقلبات الطقس وطول الطريق. وكان الجمال يعرف مسار القافلة كما يعرف ملامح موطنه، ويحفظ العقبات والأودية والمنافذ التي تسلكها الإبل في رحلاتها.
ومن خلال هذه الرحلات، لم تكن القوافل تحمل البضائع وحدها، بل كانت تحمل معها أخبار الناس ورسائلهم وحكايات القرى، وتؤدي دوراً مهماً في التواصل بين المجتمعات المتباعدة.
ذاكرة تمشي على أربع قوائم
كان الجمل في حياة محمد علي مقباس أكثر من وسيلة نقل؛ كان رفيق السفر وشريك المشقة. أما الجبال والأودية فكانت جزءاً من ذاكرة يومية تشكلت عبر سنوات طويلة من الترحال.
وقد عرف رجال الجمالة في تلك المرحلة بقوة التحمل، وحسن التعامل، والقدرة على مواجهة مشاق الطريق، وبناء علاقات واسعة مع أهل القرى والمناطق التي تمر بها القوافل.
ومن هنا جاءت مكانة محمد علي مقباس الاجتماعية، إذ لم يكن رجلاً عابراً في طرق القوافل، بل واحداً من الرجال الذين أسهموا، بطريقتهم البسيطة، في إبقاء خطوط التواصل مفتوحة بين حطاط وباتيس ومناطق يافع المختلفة.
رجل من زمن مختلف
تمثل سيرة محمد علي مقباس الرهوي الكلدي صورة لجيل عاش قبل أن تغير السيارات والطرق الحديثة شكل الحياة والتنقل والتجارة. جيل كانت فيه الرحلة مغامرة، والمسافة اختباراً للصبر، والكلمة عهداً، والضيف محل ترحاب وإكرام.
ورغم أن مهنة الجمالة تراجعت واختفت تقريباً مع اتساع شبكة الطرق ودخول وسائل النقل الحديثة، فإن سير رجالها تبقى جزءاً من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي ليافع؛ فهي تروي كيف كانت السلع تنتقل، وكيف كانت القرى تتواصل، وكيف كان الرجال يشقون الجبال والوديان حاملين أرزاق الناس وأخبارهم.
إن استحضار سيرة محمد علي مقباس الرهوي اليوم ليس مجرد استعادة لذكرى رجل رحل، وإنما هو استعادة لمرحلة من تاريخ المنطقة، ولصورة من صور الحياة التي صنعت رجالاً عرفوا بالصبر والكرم والاعتماد على النفس.
رحم الله محمد علي مقباس الرهوي الكلدي، وأسكنه فسيح جناته، وجزى أبناءه وذويه خيراً على حفظ سيرته وإبقاء ذكراه حاضرة في ذاكرة الأجيال.