شارك الخبر
كتب : أحمد يسلم
لم تعد نقطة العلم الواقعة على المدخل الشرقي للعاصمة عدن ومعها نقاط طوق عدن مجرد نقاط تفتيش عابرة على طرق مزدحمة، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة من أهم خطوط الدفاع الأمني عن عدن والجنوب. وكلما كشفت هذه النقطة شحنة جديدة من المخدرات أو الأسلحة أو المواد المحظورة، يتضح حجم المسؤولية التي تقع على عاتق رجال قوات طوق العاصمة عدن في حماية مدينة كاملة ومجتمع بأسره.
وقبل أيام، جاءت واحدة من أكبر عمليات الضبط لتضع حجم الخطر أمام الرأي العام بوضوح، عندما تمكن أفراد نقطة العلم من ضبط نحو 396 ألفًا و150 قرصًا من مادة البريجابالين، كانت في طريقها إلى العاصمة.
هذه ليست كمية يمكن المرور عليها باعتبارها حادثة تهريب عادية.
إنها شحنة ضخمة تكشف أن هناك شبكات منظمة تمتلك المال ووسائل النقل والقدرة على التخفي والتخطيط، وأن عدن ليست بعيدة عن استهداف شبكات الاتجار بالمخدرات التي تنشط في المنطقة.
وهنا تبرز أهمية نقطة العلم وقوات طوق العاصمة عدن.
فالنقطة تقع في موقع استراتيجي يجعلها بمثابة البوابة الشرقية لعدن، ومن خلالها تمر حركة واسعة من المركبات والمسافرين والبضائع القادمة إلى العاصمة. ولذلك فإن مهمة أفرادها ليست سهلة؛ فهم يعملون وسط حركة مرورية كبيرة، وفي ظروف تتطلب اليقظة والخبرة والقدرة على التفتيش الدقيق دون تعطيل حركة المواطنين.
إن نجاح أفراد النقطة في اكتشاف شحنة بهذا الحجم لا يعني فقط أنهم ضبطوا مخدرات، بل يعني أنهم أغلقوا خطرا داهما كان يمكن أن يصل إلى داخل عدن. ومنها إلى يبىتقي المجرمون
وهنا يجب أن نكون أكثر وضوحًا:
396 ألفًا و150 قرصًا لم تكن موجهة إلى فراغ.
كان هناك مسار، وناقل، وممول، ومستلم محتمل، وسوق يفترض أن تستقبل هذه الكمية. ولذلك فإن قيمة عملية العلم لا تكمن في الرقم المضبوط وحده، وإنما في أنها أوقفت حلقة كاملة قبل أن تصل إلى داخل المدينة
ومن هنا يجب النظر إلى قوات طوق العاصمة عدن باعتبارها جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الوقائي؛ فالمهمة التي تقوم بها النقاط المنتشرة في مداخل العاصمة ليست انتظار الجريمة بعد وقوعها، وإنما منعها من الوصول أصلًا.
وهذا هو الفارق بين الأمن الذي يلاحق الجريمة والأمن الذي يمنع الجريمة قبل وقوعها.
وقد يكون المواطن الذي يمر من نقطة العلم مستعجلًا، أو يتذمر أحيانًا من إجراءات التفتيش، لكنه لا يرى بالضرورة ما يراه رجل الأمن في الجانب الآخر من المهمة؛ إذ إن المركبة التي تمر أمامه قد تحمل مسافرًا عاديًا، وقد تحمل في الوقت ذاته أسلحة أو مخدرات أو مواد خطرة مخفية بطريقة يصعب اكتشافها.
ولذلك فإن كل شحنة يتم ضبطها في نقطة العلم هي في الحقيقة عملية إنقاذ صامتة؛ لأن ما يتم منعه اليوم من دخول عدن قد تكون له آثار مدمرة على عشرات الآلاف من الناس غدًا.
طوق عدن.. الأمن يبدأ من البوابة
لقد أثبتت التجربة أن أمن العاصمة لا يمكن أن يبدأ من وسط المدينة فقط. فالمدينة التي تريد حماية أسواقها وأحيائها وشبابها ومؤسساتها عليها أن تحمي أولًا مداخلها ومنافذها.
وهنا يأتي الدور الحيوي لقوات طوق العاصمة عدن.
فالطوق الأمني يمثل الحاجز الأول أمام محاولات إدخال المخدرات والأسلحة والمواد الممنوعة إلى العاصمة، وهو ما يجعل النقاط التابعة له في تماس مباشر مع أخطر أنواع التهديدات.
ومن الخطأ اختزال عمل هذه القوات في التفتيش الروتيني؛ فالمهام التي تواجهها تتطلب خبرة في قراءة حركة التهريب، وملاحظة السلوك المشبوه، وتفتيش المركبات، ومعرفة أساليب إخفاء الممنوعات، والتنسيق مع الأجهزة الأمنية الأخرى.
ومع تزايد عمليات ضبط المخدرات، يصبح من المهم أيضًا تطوير قدرات هذه النقاط، وتزويدها بوسائل الفحص الحديثة والتقنيات التي تساعد رجال الأمن على اكتشاف المواد المخدرة بسرعة ودقة، إلى جانب تدريب الأفراد على أحدث أساليب التهريب.
المخدرات.. هل هي جريمة أم جزء من حرب أوسع؟
هنا يصبح السؤال أكثر حساسية.
ليس من الصحيح اتهام جهة سياسية بعينها دون أدلة، كما أن تجارة المخدرات العالمية تمتلك شبكات ضخمة تعمل أساسًا بحثًا عن المال.
لكن في ظل الصراع السياسي والعسكري الذي يحيط بالجنوب، فإن احتمال استغلال المخدرات كأداة لإضعاف المجتمع يجب ألا يُستبعد من التحقيق.
فإغراق مجتمع بالمخدرات لا يحتاج إلى دبابة ولا إلى صاروخ.
يكفي أن تصل الحبوب إلى الشباب، ثم تبدأ آثارها في الظهور داخل الأسر والمدارس والأحياء والأسواق.
ولهذا فإن المعركة ضد المخدرات ليست أقل أهمية من المعركة ضد الإرهاب، لأن كليهما يستهدف الأمن والاستقرار، وإن اختلفت الوسيلة.
لا يكفي ضبط الشحنة
الإنجاز الحقيقي لا يكتمل عند نقطة العلم.
ضبط الشحنة هو بداية الخيط، وليس نهايته.
المطلوب هو الوصول إلى مصدر المخدرات، والممول، والناقل، والمستلم، والشبكة التي كانت تنتظرها، والمسار الذي سلكته، والجهات التي ربما سهلت مرورها.
وإذا أمكن الربط بين الضبط الأخير في العلم والعمليات السابقة في النقاط الأمنية الأخرى، فقد تظهر أمام الأجهزة المختصة خريطة كاملة لمسارات تهريب المخدرات إلى الجنوب.
عندها فقط يمكن الانتقال من سياسة ضبط الشحنات إلى سياسة تفكيك الشبكات.
إن نقطة العلم ونقاط الطوق مجتمعة اليوم تقدم نموذجًا واضحًا لما يمكن أن يفعله الأمن عندما تكون اليقظة حاضرة. ورجال طوق العاصمة عدن الذين يقفون على هذه البوابة لا يحرسون طريقًا فقط؛ إنهم يحرسون عاصمة بلد نرفع لقيادتهم ولهم جميعا القبعات ولذلك ينبغي تحفيزهم والثناء على نجاحاتهم وتدريبهم وتأهيلهم وبالتالي تزويدهم بكامل المعدات والأجهزة الحديثة وحتى الكلاب البوليسية المتخصصة في كشف المخدرات والمنوعات
ومع كل شحنة يتم ضبطها، يجب أن يدرك الجميع أن هناك خطرًا تم منعه قبل أن يصل إلى بيوت الناس.
ولهذا فإن 396 ألفًا و150 قرصًا ليست مجرد كمية مخدرات صودرت في نقطة أمنية.
إنها مئات الآلاف من الحبوب التي توقفت عند بوابة عدن.
وهي أيضًا رسالة واضحة إلى شبكات التهريب:
عدن ليست طريقًا مفتوحًا للمخدرات، ونقطة العلم ليست مجرد نقطة عبور، وطوق العاصمة عدن يقف في الخط الأول لحماية المدينة والمجتمع.
ويبقى التحدي الأكبر أن تتحول كل عملية ضبط ناجح منة إلى معلومة استخبارية تقود إلى الشبكة كاملة؛ لأن حماية عدن لا تتحقق فقط بمنع الشحنة من الدخول، وإنما بكشف اليد التي أرسلتها والجهة التي كانت تنتظرها.