شارك الخبر
عندما أكتب لكم عبر صفحتي هذه ، فإني أحكي قصة واقعية من حياتي الخاصة وتجربتي الشخصية؛ لأنها تجسّد أهمية ما تعلمته، وما اكتسبته من معرفة، وما اختزنته ذاكرتي من أحداث مررت بها خلال مسيرتي في الحياة العملية. وأعتقد أن الكلمة من أقوى الأسلحة التي تؤثر في الإنسان بصورة مطلقة، سواء استُخدمت في الخير أو في الشر. ولهذا أنقلها بأمانة وصدق، دون أن أضيف إليها أو عليها إلا ما يساهم في تعزيز المصداقية وتحقيق الفائدة والوضوح.لقد تعاملت مع الآخرين طوال حياتي بصدق وأمانة،ويُعدّ ذلك سلوكًا يوميًا تعلمته في طفولتي ومارسته في حياتي اليومية. وعندما أنصح أو أوجّه، فإنني أطبّق شعار: «الأرزاق بيد الله »، ولا أنظر إلى ما هو في أيدي الآخرين. ومع ذلك، فأنا منافس شرس وقوي، لا أستسلم بسهولة، وأبحث عن النجاح من خلال الطريق السليم للوصول إلى أهدافي. وخلال مسيرة عملي، ظهرت أمامي في الطريق الكثير من العوائق التي كانت تصنعها الظروف المفاجئة، أو الأشخاص المتربصون، سواء من خلال سرقة أفكاري، أو التقرب إليّ وتصنّع الحب والصداقة والمودة بهدف تعطيل مسيرتي عن النمو. وفي كل الحالات، فإن هؤلاء الأشخاص غالبًا ما يغرقونك بالكرم المفرط، أو بالمدح المبالغ فيه، والثناء على ذكائك ونجاحك وكل ما تقوم به. ويظهر ذلك جليًا منذ اللقاء الأول، عندما يصفونك بأنك شخص ناجح، وأنك تتميز بذكاء لافت بين جميع زملائك. وهذه قد تكون أول خطوة نحو إغراقك بالمدح المبالغ فيه، وإيقاعك في أول هفوة تقودك إلى مستنقع الثقة العمياء والسريعة، التي تنخفض معها درجة الحذر والتدقيق لديك. ثم يبدأ الشخص في إغراقك بأوصاف قد لا تكون فيك أصلًا، أو قد يكون بعضها صحيحًا، لكنه يعمل على تضخيمها لديك، مستغلًا ما قد تثيره تلك الكلمات من شعور بالاعتزاز بالذات. وهذا الأمر يرتبط بالأنا في النفس البشرية؛ فبطبيعة الإنسان، عندما يكون ناجحًا، فإنه يحب سماع كلمات الثناء والتقدير. بعد ذلك، يبدأ المتربص في التركيز العميق على رابطة الصداقة بينكما، وإظهار الود الشديد، حتى يخلق قصصًا درامية وهمية تمس مشاعرك، ويقنعك بكل ما يقوم به تجاهك. والهدف من ذلك هو إظهار حبه الشديد لك وولائه لك ولشركتك، أو، إذا كان يعمل تحت إدارتك، فإنه يبالغ في إظهار حبه لعمله وولائه للشركة التي تعملان فيها معًا. ومن خلال ذلك يبدأ في استدراجك، إما لتمرير عقود مشبوهة ومجحفة، أو لتسليم مبالغ مالية له دون ضمانات كافية، أو لسرقة أدق التفاصيل المتعلقة بعملك وعلاقاتك بالموردين والعملاء، بل وحتى علاقاتك الخاصة وأسرارك، واكتشاف نقاط ضعفك من خلال ملازمته لك بصورة مستمرة. وبعد ذلك يبدأ في شرح المشاريع المربحة التي يخطط لها، ويطلب منك المشاركة في بعضها. ويتم ذلك من خلال استغلال الصداقة المزيفة وإظهار الأخوة لك، ثم استخدام اسمك ومصداقيتك وسمعتك التجارية لبناء علاقاته الخاصة، في الخفاء، مع مورديك وعملائك وأصدقائك. وهذا النوع من السلوك يمكن أن يُفهم في سياق التلاعب العاطفي في العلاقات التجارية، أو ما يمكن وصفه بـ قصف الحب العملي؛ إذ تُستخدم مشاعر الود والثقة والتقدير كوسيلة للتأثير في قرارات الطرف الآخر وتحقيق أهداف خفية. فإذا كانت المرأة هي التي تستهدفك، فقد تمنحك اهتمامًا عاطفيًا مفرطًا، وتستخدم الكلمات الرومانسية، وتقدم لك المزيد من الاهتمام والكرم والبذخ ذي الأهداف الخفية، حتى تشعر بالانجذاب العاطفي نحوها، وقد توحي لك بأنها لا تحتاج منك شيئًا. ويُعرف هذا النوع من الاحتيال في بعض السياقات باسم Romance Scam. (Emotional Seductive Fraud). أما إذا كان المستهدف رجلًا، فقد يمنحك الطرف الآخر شعورًا بالقوة المالية والنفوذ والقدرة على العطاء والكرم، ويكثر من الحديث أمامك عن الشرف والصدق والأمانة، حتى يتأكد من أنه حصل على ثقتك العمياء. ويمكن أن يتحول هذا الأسلوب إلى نوع من الاحتيال بالود والثقة.Emotional Manipulation وبعد ذلك يبدأ في طلب الحصول على الأموال على شكل ديون أو تسهيلات دون ضمانات كافية، فيستنزف سيولة شركتك ويغرقها في الالتزامات، ويؤخر نمو العمل وتطوره فيها، بسبب تقديم مصلحته الشخصية على مصالحك ومصالح الشركة. وبعد أن يتمكن من استغلال الثقة والود والتلاعب العاطفي، سواء من خلال الحب أو رابطة القرابة أو الصداقة، قد يبدأ في لعب دور الضحية وافتعال الأزمات الشخصية، ثم يطلب تأجيل الالتزامات المالية التي عليه، أو الحصول على قروض وتسهيلات أخرى بصورة مستمرة ودون ضمانات كافية، مستغلًا الحرج العاطفي لتجاوز الإجراءات الإدارية الدقيقة. وبمرور الوقت، يبدأ في بناء علاقات موازية لعملك خلف ظهرك، وعندما تظهر الخلافات، يتنصل من وعوده الشفهية، مستندًا إلى غياب الإثباتات الرسمية والمستندات المكتوبة التي تثبت تلك الالتزامات عليه. وبهذه الحيلة يبدأ في ترتيب الانفصال واستنزاف السيولة التي تملكها الشركة، وتخريب العلاقات بينك وبين العملاء والموردين، وتحويل مسار نمو الشركة نحو الخسارة والإحباط. ويبدأ في بث الإشاعات حول عجز الشركة، وتراجع قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وعدم قدرتها على سداد الديون أو الوفاء بالتزاماتها تجاه الموردين. وفي هذه المرحلة يبدأ في تقديم مصلحته الشخصية على مصلحة الشركة، وتحويل النشاط إلى مشروع بناه في الخفاء بعيدًا عن معرفتك. ومن هنا يكون قد أسس مشروعه الخاص على حساب إضعاف مشروعك. ثم يبدأ في سحب العملاء والموظفين الذين قام باستقطابهم وتوظيفهم، وكانوا من الأشخاص المقربين منه الذين يعملون في الخفاء لصالحه، بعد أن تبناهم وثبّتهم في مواقعهم الأساسية داخل الشركة، ولا سيما في مفاصل القرار، بعد أن كسب ثقتهم وتأكد من ولائهم المطلق. وفي هذه الحالة، تجد نفسك عاجزًا عن محاسبته؛ بسبب عدم وجود توثيق رسمي واضح للالتزامات والمسؤوليات التي عليه، لأنه رتّب كل شيء بعيدًا عن نظرك وفي الخفاء. وبعد ذلك يطلب الانفصال عن شركتك أو عن العمل الذي تديره، بعد أن يكون قد أسس مشروعه الخاص وأصبح منافسًا لك بخط موازٍ لعملك، وسحب البساط من تحت قدميك. ثم يطلب الخروج من العمل أو من الشراكة، وهنا نصل إلى جوهر ما أريد قوله في مقدمة هذا المقال: يجب عليك أن تطلب تسجيل جميع الاتفاقات والعقود بوضوح، مهما كانت صغيرة، وأن يتم توثيقها في عقود رسمية واضحة، وإرفاق الملاحق اللازمة بها قانونيًا من قبل المحامين والاستشاريين المتخصصين. كما يجب وضع نظام حوكمة واضح، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات لكل شريك منذ البداية، وتوضيح آلية فض الشراكة أو تطوير العمل في الشركة. ويجب تحديد رأس مال الشركة، وآلية الدفع منذ البداية، وآلية التمويل، وكيفية توزيع الأرباح والالتزامات والمستحقات لكل شريك، سواء عند تأسيس الشركة أو عند المشاركة في شركة أو مشروع قائم. ويجب أن تكون جميع الاتفاقات موثقة بعقود قانونية مكتوبة، بإشراف مختصين قانونيين؛ لضمان توثيق وتنظيم العلاقة بين الأطراف وحماية حقوق الجميع مستقبلًا. فلا تعتمد على الاحترام وحده، ولا على الاهتمام المصطنع أو الثقة المزيفة، ولا تجعل المشاعر المبالغ فيها تخلق لديك شعورًا زائفًا بالثقة والأمان. فمثل هذه الأساليب قد تدخل في إطار ما يُعرف في علم النفس والسلوك الإقناعي والجرائم الاقتصادية بـ التلاعب العاطفي والاحتيال الإقناعي (Emotional Manipulation and Persuasive Fraud) حيث يعتمد المحتال على التأثير في مشاعر الضحية وإضعاف قدرتها على التفكير النقدي واتخاذ القرار المتوازن. وفي عالم الأعمال، لا تكفي النوايا الحسنة وحدها لحماية الشراكات؛ بل إن الثقة الحقيقية لا تتعارض مع التوثيق، والاحترام لا يلغي العقود، والصداقة لا ينبغي أن تكون بديلًا عن الحوكمة والقانون. فالقاعدة التي تعلمتها من الحياة والعمل هي أن تحسن الظن بالآخرين، ولكن في الوقت نفسه تحمي نفسك وعملك وحقوقك بالأنظمة والعقود والتوثيق فالثقة قيمة إنسانية عظيمة، لكنها في عالم الأعمال تصبح أكثر أمانًا عندما تحميها الإجراءات الواضحة والحوكمة الرشيدة.
حسين بن أحمد الكلدي
18/7/2026