شارك الخبر
بقلم: عبدالله علوي حسن (نائب قائد مجموعة القوات الشعبية في امعضب وشرية سابقاً)
غابَ عن دنيانا اليومَ أخي ورفيقُ سنيّ العمر، القائد المناضل الجسور صالح منصور صالح الجلادي؛ رحلَ الفارسُ الذي صاغت الحوادثُ حنكتَه، تركَ في أعماقنا برحيله جرحالا يندمل، وفي ذاكرة الوطن سيرةً ناصعةً لا تُنسى. ورحيلُ قائدٍ وشخصية وازنة بحجم صالح منصور يفرضُ عليّ -وأنا من شاركَه مرارةَ الميدان وحلاوةَ النصر- أن أفتح خزانةَ الوفاء لأروي بعضاً من معالم تلك الحقبة النضالية التي جمعتنا.
كانت القوات الشعبية -التي تولى قيادتَها العامة في محافظة أبين الأخ المناضل علي مقفع، وكان لها حضورٌ وثيق وموزع بين معسكرات المنطقة الوسطى ومديريات المحافظة الأربع حينها ، إلى جانب سلب حمة وشرية- هي «مدرستي الثانية» التي تعلّمتُ فيها فنون القيادة والحنكة والعطف الإنساني وشيم وقيم النزاهة والثبات والوفاء للوطن على يد زميلي الراحل صالح منصور. لقد جاء صالح ليُكمل ما غرسه فينا معلمنا الأول، الشهيد البطل المغوار د. ثابت عبد حسين، الذي تدربنا على يديه في معسكر “العر”، وتشرَبْنا على يديه أولى فنون الجندية والقيمة العُليا للشجاعة والإقدام وإنكار الذات. وحب الدفاع عن الوطن .
وفي الفترة (1972-1973م)، شُكّل مركزٌ للقوات الشعبية في منطقة “امعضب حمة” قوامُه 60 مجنداً، وكُلّف أخي صالح منصور بقيادته، وكُنتُ له نائباً وعضداً. وأنا في عنفوان شبابي وعطائي فكانت مَهمتنا أمنيةً شاقة؛ فقد تزايد نشاطُ المتسللين الأشرار لزرع الألغام في خط “السيلة البيضاء” وصولاً إلى “سلب حمة”، بعد أن تفجرت سياراتٌ عدة بركابها ، ما اضطر القيادة لتغيير مسار الطريق نحو (سلب حمة – حمة – سرار – رصد يافع)، فتوجّب علينا حماية هذا الشريط الحيوي.
كنا نعتمدُ على الجمال في حالِنا وترحالنا؛ حين تردنا المعلومات عن حركة المتسللين، نتحركُ تحت أستار الليل مشياً على الأقدام من 7 إلى 8 ساعات متواصلة، ترافقنا الجمال حاملةً المؤن والأسلحة المتوسطة وقذائف الهاون. نزرعُ الكمائن في الأماكن المتوقعة اعتماداً على خبرة رفاقنا، ولا ننسحبُ إلا ليلاً وهكذا العودة على الأقدام نحو معسكرنا.
ولأن الواجب ينادي، تقرر انتقالُنا إلى منطقة “شرية”، بمسير يوم كاملٍ مشياً على الأقدام من معسكر امعضب، وهو ما ضاعف من معاناتنا البدنية والميدانية. والبعد عن أهلنا لكن قائدنا الراحل صالح منصور ونحن لم نرضِ أن نكون “قوةً استهلاكية” تعيش على الهامش رغم مهامنا الأمنية لتذهب رؤيتنا معا حتى أنشأنا مزرعةً للقوات الشعبية في “شرية”، نزرع فيها الخضار والحبوب والأعلاف، وجلبنا الأبقار والأغنام، فنقلَ القوة من مجرد حراساتٍ إلى طاقةٍ دفاعية ومنتجة في آنٍ واحد.
ما زلتُ أذكر أولئك الرجال السمر الذين اقتسموا معنا خبز النضال ووعورة الطريق تحت إمرة أخي صالح: حسين حسن سالم ، عبادي ناصر الشنيني . فضل قاسم عبدالله ، محسن حسن أحمد، عبادي حسين عبدالله . محمد باصهي . عبد عبدالله محواش، ناصر ثابت، صالح عباشة، عبدالله هائل عبيد. محمد صالح ثابت . حسن صالح الجريري . علوي علي امزلاط . شيخ أحمد عبدالله الصبري . حسين حنش عبدالله الجريري وهو من مناضلي سبتمبر . منصور علي قاسم . نصر سعيد عبدالله( شداد ) سعيد محمد ناصر . محمد عمير ناصر . ناصر محسن علوي وغيرهم من الأبطال الذين انتقلنا معهم جميعاً عام 1974م إلى قيادة القوات الشعبية بالمحافظة في زنجبار.
يرحلُ اليوم صالح منصور صالح الجلادي جسداً، لكنه يبقى في وجداني نموذجاً للقائد الذي جمع بين صرامة المقاتل وحنان الأب ونبل الإنسان. رحم الله أخي وقائدي أبا منصور، وأسكنه فسيح جناته، ولتبقى ذكراه وساماً يُزين تاريخ جبالنا وودياننا التي مشينا فيها معاً خفافاً وثقالاً.
عبدالله علوي