شارك الخبر
قاسم عبدالرب العفيف
29 أغسطس 2026م
ما يتداول في وسائل الإعلام من تصريحات تؤكد أن الجنوب «ليس حزباً واحداً، وإنما عدة مكونات»، ليس أمراً جديداً في المشهد السياسي الجنوبي. غير أن المشكلة لا تكمن في تعدد القوى والمكونات السياسية، فالتعدد ظاهرة طبيعية في أي مجتمع، وإنما في محاولات استنساخ مكونات أو فرض جهات بعينها لتمثيل الجنوب، في تجاوز واضح لحق الجنوبيين في اختيار من يمثلهم ويعبر عن تطلعاتهم السياسية.
لقد دأبت سياسات حكام صنعاء، عبر مراحل مختلفة، على عدم السماح للجنوب باختيار ممثليه بحرية، وهي السياسة ذاتها التي أسهمت في تخريب العملية السياسية المرتبطة باتفاقي الرياض الأول والثاني. ومن يبرر اليوم تجاوز تلك الاتفاقات أو الالتفاف عليها، فإنه، من حيث يدري أو لا يدري، ينسف الأساس السياسي والقانوني للشرعية التي يستند إليها، باعتبارها في جانب أساسي منها نتاجاً للتوافقات والاتفاقات التي رعتها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي.
وكانت تلك الجهود قد انطلقت في إطار السعي إلى توحيد الصف لمواجهة انقلاب صنعاء واستعادة مؤسسات الدولة، لكن تغيير الأولويات والانتقال من هدف استعادة الدولة إلى محاولة إعادة ترتيب الجنوب وفرض واقع سياسي جديد عليه، أدى إلى نسف منظومة سياسية وعسكرية كانت قائمة على قدر من التوافق.
ومن هنا، فإن التشكيلات الجديدة والإجراءات التي جرت بعيداً عن الأطر والتفاهمات السابقة تثير تساؤلات جدية حول شرعيتها السياسية والقانونية، الأمر الذي يستدعي من القوى الدولية والإقليمية المعنية بالملف اليمني إعادة النظر في مجمل العملية السياسية القائمة، خصوصاً بعدما تحول الجنوب إلى ساحة لصراع محتمل بفعل محاولات إعادة هندسة المشهد بعيداً عن إرادة أبنائه.
تغيير الأولويات وتعطيل استعادة صنعاء
إن من أخطر نتائج هذا المسار تعطيل مشروع استعادة مؤسسات الدولة في صنعاء، عبر تغيير الأولويات ووضع هدف السيطرة السياسية على الجنوب في المقدمة، تحت مبررات الحفاظ على الوحدة أو التمسك بشرعية الاعتراف الدولي.
لكن الاعتراف الدولي لا يمكن أن يكون بديلاً عن وجود مشروع سياسي قادر على استعادة الدولة أو تحقيق تطلعات الناس. كما أن تحويل الجنوب إلى ساحة صراع من أجل إعادة إنتاج مشروع الوحدة بالقوة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد.
لقد مارس بعض أطراف الشرعية، منذ البداية، سياسات اعتبرها كثير من الجنوبيين موجهة ضد قضيتهم السياسية، ووصل الأمر بالبعض إلى الإعلان صراحة عن الاستعداد للتحالف مع الحوثيين عندما يرون أن «الوحدة» في خطر. وهنا تتكشف حقيقة جوهر الصراع لدى تلك القوى: فالوحدة، بالنسبة إليها، تتقدم على كل شيء، بينما يبدو صراعها مع الحوثيين، في نظر كثيرين، صراعاً داخل البيت السياسي ذاته.
ذلك التصريح ينبغي أن يدفع كل جنوبي إلى التأمل في طبيعة الصراع القائم وأهدافه الحقيقية، خصوصاً أن صدوره سبق الأحداث الأخيرة، بما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة الترتيبات التي كانت تجري في الكواليس.
واللافت للنظر هو حالة التماهي الإقليمي مع ما تطرحه بعض قوى الشرعية من إجراءات تمثل، في نظر الجنوبيين، انقلاباً على اتفاقات تمت في الرياض وبرعاية المملكة العربية السعودية ومجلس التعاون الخليجي، وهو ما يعيد إلى الأذهان إصرار بعض النخب الشمالية على العودة إلى نموذج ما بعد حرب 7 يوليو، بكل ما ارتبط به من مركزية وإقصاء وهيمنة على السلطة والثروة.
الجنوب لا يريد إعادة إنتاج الماضي
اليوم يعاد طرح مشروع سياسي أثبتت التجربة فشله، مشروع انتهت صراعاته إلى انهيار الدولة وتسليم عاصمتها إلى حركة مسلحة ذات أيديولوجية طائفية وعلاقات خارجية.
ومن حق الجنوب، في ظل هذه التجربة، أن يتمسك بمشروعه السياسي لاستعادة دولته، بعد فشل مشروع الوحدة بصيغته السابقة، وضياع الدولة التي دخل معها الجنوب في الوحدة، وما رافق ذلك من معاناة ودمار واسع طال الإنسان والأرض.
ولهذا لن يقبل الجنوب العودة إلى نظام تحالف 7 يوليو، بل إن مشروعه السياسي يجب أن يتجه نحو بناء دولة جنوبية اتحادية حديثة، تضع حداً للمركزية الإدارية والمالية والسياسية والاقتصادية، وتمنح الأقاليم حق إدارة شؤونها بواسطة أبنائها، ضمن دولة تحترم الشراكة والتوازن والعدالة.
إن القوى التي تدير الشرعية اليوم لا تقدم مشروعاً سياسياً مقنعاً، ولا تزال، في نظر منتقديها، تعمل بذات آليات النظام السابق في إدارة السلطة والثروة. ولذلك لم تحقق تقدماً حقيقياً نحو استعادة صنعاء، كما لم تنجح في تقديم نموذج سياسي جاذب للمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
فالناس لا يمكن أن تقبل بعودة منظومة ارتبطت في أذهانهم بالفساد والنهب واللصوصية وإدارة الدولة بعيداً عن مبادئ العدالة والمواطنة والشراكة.
مسؤولية تاريخية ومشاريع وطنية جديدة
تقع على عاتق القوى السياسية الشمالية مسؤولية تاريخية في إعادة صياغة مشروعها الوطني بما يتوافق مع تطلعات الشعب إلى الحرية والكرامة والاستقلال عن مراكز النفوذ والفساد، وأن تقدم مشروعاً واضحاً يضع مستقبل الأجيال القادمة فوق مصالح الأحزاب والقبائل والجماعات.
وفي المقابل، تقع مسؤولية كبيرة على المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى السياسية الجنوبية الأخرى للإسراع في مناقشة تفاصيل إدارة الجنوب في اليوم التالي، والوصول إلى توافقات واضحة حول شكل الدولة ونظام الحكم وإدارة الأقاليم والثروة والمؤسسات، والعمل على تشكيل مرجعية سياسية جنوبية جامعة تقود مرحلة الانتقال نحو الدولة الاتحادية المنشودة.
وينبغي أن يكون الشعب هو صاحب الكلمة الأخيرة في تقرير مستقبله السياسي، من خلال الآليات التي تكفل التعبير الحر عن إرادته.
خلاصة القول
إن إعادة ترتيب الأولويات في الجنوب والشمال لن تتحقق عبر فرض الوصاية أو استنساخ المكونات أو إعادة إنتاج صراعات الماضي، بل من خلال بناء مشاريع وطنية حقيقية في كل منهما، يكون للشعب فيها القول الفصل.
وعندما يستعيد الجنوب ذاته ومشروعه السياسي، ويتمكن الشمال بدوره من بناء مشروع وطني يعبر عن إرادة شعبه، سيكون من الأسهل أن يتوافق ممثلو الطرفين على مستقبل العلاقات والروابط المشتركة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
أما استمرار الصراع من أجل احتكار السلطة والثروة، أو رهن القرار الوطني للخارج، أو استخدام شعارات الوحدة والشرعية كوسائل لإعادة إنتاج الهيمنة، فلن يؤدي إلا إلى المزيد من الأزمات.
إن استنساخ مكونات لتمثيل الجنوب ليس حلاً، بل هو مضيعة للوقت واستهتار بتضحيات شعب قدم الكثير من أجل حقه في تقرير مستقبله. والحل الحقيقي يبدأ باحترام إرادة الشعوب، وبناء مشاريع وطنية عادلة، تضع حداً لاحتكار السلطة والثروة، وتفتح الطريق أمام مستقبل يحفظ السيادة والكرامة ويصون حق الأجيال القادمة في دولة مستقرة وعادلة.
إذا رغبت، أستطيع أيضاً �إعدادها بصيغة أكثر حدة وجدلية كمقال رأي سياسي يناسب أسلوب مقالات الرأي في دلتابرس.