شارك الخبر
كتب / د. أحمد يوسف العلو
في أجواء احتفالية جميلة، أُقيم حفل تخرج الدفعة العاشرة لمساعدي الأطباء، والدفعة الأولى للتمريض التقني من خريجي وخريجات معهد الدكتور أمين ناشر للعلوم الصحية – أبين، وسط حضور الأهالي والأصدقاء والخريجين، وطاقم التدريس، والهيئة الإدارية، إلى جانب عدد من ممثلي السلطة المحلية ومديري المكاتب التنفيذية.
كان الحفل في مجمله رائعًا، وسارت فقراته بصورة طبيعية ومنظمة، وكانت فرحة الخريجين وأهاليهم هي العنوان الأجمل للمشهد.
لكن… هناك مشهدان استوقفاني كثيرًا.
المشهد الأول: من يستحق التكريم؟
من الطبيعي أن تُكرَّم الشخصيات الرسمية والجهات الداعمة، ومن الجميل تقدير حضور المسؤولين وممثلي السلطة المحلية.
لكن السؤال المهني الذي يفرض نفسه:
أين كان تكريم أعضاء هيئة التدريس؟
أين الأطباء والدكاترة والمدرسون والمدرسات الذين أمضوا وقتهم وجهدهم في التعليم والتدريب، وصنعوا مع الطلاب هذه اللحظة التي يحتفل بها الجميع؟
المفارقة أن منصة التكريم اتسعت للمسؤولين وممثلي السلطة المحلية والأجهزة المختلفة، بينما لم يجد المعلمون وأعضاء هيئة التدريس مساحة تليق بدورهم ورسالتهم.
وهنا لا نتحدث عن أسماء أو أشخاص بعينهم، وإنما عن ثقافة تكريم وترتيب أولويات.
فالتكريم ليس مجرد شهادة تُسلَّم أو صورة تُلتقط، بل هو رسالة تقول للآخرين:
نحن نرى جهدك… ونقدّر أثرك… ولن ننسى بصمتك.
والأكثر إيلامًا أن أحد الكوادر الأكاديمية والإدارية اضطر إلى أخذ شهادة التكريم بنفسه، دون انتظار فقرة يمكن أن تكرّم فيها الكوادر التعليمية أمام طلابهم.
وهنا يحق لنا أن نتساءل:
هل جئنا لنكرّم أصحاب المناصب، أم لنحتفي بمن صنعوا أصحاب المهن؟
فالمنصب يتغير، والمسؤول يغادر، والمقاعد تتبدل… لكن أثر المعلم يبقى في الطالب، والطالب يحمل أثر معلمه أينما ذهب.
المشهد الثاني: حين أنصف الطالب أستاذه
وبينما غابت فقرة التكريم التي كان ينتظرها بعض الأكاديميين، جاء أجمل تكريم من المكان الذي لا يحتاج إلى منصة ولا بروتوكول.
أحد الخريجين، وفي موقف عفوي مليء بالمحبة والوفاء، كان يحمل طوقًا من الفل، فتوجه إلى أحد دكاترته، وقال له بصوت مرتفع يحمل شيئًا من الحزن:
“أنت من تستحق التكريم يا دكتورنا الغالي… أنت من نبادلك الحب بالحب والوفاء بالوفاء.”
كان ذلك الموقف أكبر من شهادة، وأصدق من بروتوكول، والأجمل أن الدكتور أعاد طوق الفل إلى الطالب، وكأنه يقول له:
“اليوم يومكم… أنتم من نستحق أن نحتفي بكم، وأنتم من نتشرف بأن نقلّدكم الفل.”
يا لها من صورة تختصر معنى العلاقة الحقيقية بين المعلم والطالب!
تكريمٌ بلا منصة… لكنه وصل إلى القلب.
فأحيانًا قد تنسى المؤسسات أسماء من كرّمتهم، لكن الإنسان لا ينسى من وقف معه، علّمه، شجعه، وآمن بقدرته.
التكريم الحقيقي لا يحتاج إلى بروتوكول
في نهاية الحفل، وبعد مغادرة عدد من المسؤولين والضيوف والشخصيات الرسمية، بقي المشهد أكثر بساطة، وكان التكريم في نهايته مقتصرًا على مندوبي الدفعتين، بينما كان بعض قيادات المعهد وكوادره حاضرًا في القاعة.
وهنا تبرز حقيقة مهمة:
التكريم الحقيقي لا تقاس قيمته بعدد الصور، ولا بعدد المسؤولين الذين صعدوا إلى المنصة، وإنما بمن يستحق أن نقول له: شكرًا.
لا أحد يقلل من قيمة المسؤول أو الضيف أو ممثل السلطة المحلية؛ فلكل موقع احترامه، ولكل حضور تقديره.
لكن المهنية تقتضي أن نعرف من هو صاحب المناسبة، ومن هو صاحب الأثر، ومن هو صاحب الفضل في صناعة هذا الإنجاز.
فالطلاب هم أصحاب الفرح…
والمعلمون هم أصحاب الأثر…
أما المناصب فهي عناوين مؤقتة في المشهد.
كلمة وفاء للخريجين
إلى خريجي وخريجات الدفعتين…أبارك لكم تخرجكم، وأتمنى أن يكون هذا اليوم بداية لمسيرة مهنية تليق بما تعلمتموه وبما ينتظره منكم مجتمعكم.
وأشكركم بشكل خاص على ذلك الموقف النبيل تجاه أساتذتكم.
لقد أثبتم أن الوفاء لا يُدرَّس في المناهج فقط، بل يُمارس في المواقف.
وذلك الطالب الذي وضع الفل على صدر أستاذه، ثم أعاد الأستاذ الفل إلى صدر الطالب، قدّم درسًا مهنيًا وإنسانيًا ربما كان أبلغ من كثير من الكلمات التي قيلت على المنصة.
فطوبى لمعلمٍ ترك أثرًا في طلابه، وطوبى لطالبٍ لم ينسَ من علّمه.
وفي الختام… اليوم كنت مجرد ضيفٍ وزائرٍ عابر لهذا الحفل في محافظة أبين.
دخلت لأشارك الخريجين فرحتهم، وأغادر وأنا أحمل لهم التهاني والتقدير،لكنني وجدت نفسي أتساءل:هل ما زلنا نُحسن قراءة معنى التكريم؟
كنت أبحث عن تكريم أصحاب الأثر والبصمة، فوجدت أن بعض المشهد اتجه إلى تمجيد الحضور الرسمي أكثر من الاحتفاء بمن صنعوا الإنجاز.
ومع ذلك، أنصف الطلاب الصورة بموقف صغير في حجمه، كبير في معناه؛ فربما لم تُكرّم المنصة بعض من يستحقون التكريم…
لكنهم كُرّموا في قلوب طلابهم، وهذا في تقديري، أبقى وأصدق وأشرف من أي شهادة.
ضيفٌ عابر… وحائر : عابرٌ لأنني كنت ضيفًا في يومٍ واحد، وحائرٌ لأنني خرجت بسؤالٍ واحد:
حين نختلف في ترتيب من يستحق التكريم… هل نُكرّم أصحاب المناصب، أم أصحاب الأثر؟
ويبقى الجواب عند من يصنعون المشهد…
أما أنا، فسأغادر كما جئت:ضيفًا عابرًا… وحائرًا.
مبارك للخريجين والخريجات، والشكر والتقدير لكل معلم ومعلمة تركوا أثرًا في هذه الدفعة، ولكل من ساهم في صناعة هذا اليوم.