شارك الخبر
السادة الأساتذة والباحثون، الإخوة والأخوات المشاركون جميعاً،
في البدء، أحييكم بأطيب تحية، وأنقل إليكم التحايا العطرة من اليمن؛ من مدينة عدن، ثغر اليمن الباسم وبوابته الشرقية المطلة على خليج عدن والمحيط الهندي والمشرفة على مضيق باب المندب.
يسعدني أن أشارك بهذه المداخلة التي تتمحور حول: “باب المندب والبحر الأحمر: أبعاد المواجهة مع التحالفات البحرية الغربية”.
مما لا شك فيه أن البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثلان أحد أهم الممرات الجيوإستراتيجية في العالم؛ إذ يربطان بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط عبر بوابتي خليج عدن وقناة السويس. وتكمن أهمية هذا الموقع المتميز في تحكمه بنحو 12\% من حركة التجارة البحرية العالمية، وفي مقدمتها إمدادات الطاقة.
غير أن التطورات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط كشفت عن تحول هيكلي وميداني في طبيعة الحروب البحرية، مما يشكل خطراً كبيراً على مستقبل التجارة العالمية. لقد انتقلت المواجهات من نمط الصراع التقليدي بين الأساطيل إلى تكتيكات “الحرب غير المتناظرة”، والتوظيف المكثف للأسلحة الصاروخية الباليستية، والصواريخ الموجهة المضادة للسفن، والطيران المسير.
فمنذ أحداث “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023م وما أعقبها من حرب إسرائيلية تدميرية على قطاع غزة، تصاعدت التهديدات في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، مما أدى إلى انتقال التوترات العسكرية إلى أهم شرايين الملاحة الدولية. ومع اتساع رقعة المواجهات الإقليمية وتصاعد المخاطر حول المضايق البحرية الأخرى كمضيق هرمز، أبحنا أمام تهديد مباشر لتدفق الطاقة والتجارة العالمية.
وفي هذا السياق العملياتي المعقد، برزت التحالفات البحرية الغربية عبر مسارين:
تحالف “حارس الازدهار الذي أطلقته الولايات المتحدة أواخر عام 2023م كتحالف متعدد الجنسيات؛ للرد المباشر وتنفيذ ضربات استباقية دفاعاً عن حركة الملاحة.
عملية “أسبيدس التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في فبراير 2024م كمهمة أمنية بحرية ذات طبيعة دفاعية بحتة، تقتصر على حماية ومرافقة السفن التجارية.
وقد كشف هذا التباين بين التحالفين عن اختلاف الرؤى والأجندات الأوروبية والأمريكية تجاه إدارة الأزمات في الشرق الأوسط، وتمايز أساليب التواجد العسكري لكل منهما.
أهم أبعاد الأزمة الحالية
البعد الجيوسياسي: تحول جنوب البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحة صراع مباشر وتصفية حسابات بين القوى الإقليمية والدولية، مما أعاد رسم خارطة النفوذ البحري في المنطقة.
البعد الاقتصادي وارتفاع التكاليف: إجبار شركات الشحن على تحويل مساراتها نحو طريق “رأس الرجاء الصالح”، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري وشحن البضائع، وزيادة أسعار السلع واضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
عسكرة البحر الأحمر: التواجد المكثف للقطع البحرية والبارجات الأجنبية يعيد عسكرة المنطقة ويهدد سيادة الدول المشاطئة للبحر الأحمر، ويكرس التبعية للترتيبات الأمنية الخارجة عن إرادة دول المنطقة.
تأثير الحرب غير المتناظرة: إثبات التكتيكات المنخفضة التكلفة (كالدرونات والصواريخ) قدرتها على تعطيل قدرات الردع للجيوش النظامية والتحالفات الدولية المكلفة.
إن حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب لا تصنعها فقط البارجات العسكرية والتحالفات المؤقتة، بل تتطلب معالجة جذور الصراع السياسي والأمني في المنطقة، وتحقيق السلام العادل، واستعادة الدول المشاطئة لدورها الرئيسي في حماية أمنها الإقليمي.
ختامًا، يُظهر هذا المسار التطورات المحورية في معادلة أمن البحر الأحمر من خلال ثلاثة مستويات رئيسية:
البُعد الدولي والأطلسي يتسع الاهتمام الأوروبي ليشمل خليج عدن والمحيط الهندي، غير أن كفاءة هذا الدور تظل مرهونة بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، مما يعكس استمرار الاعتماد على مظلة البنية الأمنية الأطلسية.
التوازن الإقليمي والمتعدد الأطراف
يمنح الحضور الأوروبي والعالمي مشروعية أكبر للإدارة الدولية متعددة الأطراف للممرات البحرية، الأمر الذي يحفز القوى الكبرى (كالولايات المتحدة، والصين، وروسيا) والإقليمية على إعادة تقييم أدوارها وتوسيع شراكاتها العسكرية مع الدول المشاطئة.
المحدد اليمني والحل السياسي: يظل اليمن الفاعل الأبرز والأكثر تأثيرًا في الاستقرار البحري؛ حيث يثبت الواقع أن الحلول والأطر العسكرية وحدها لن تعالج الجذور السياسية للأزمة دون معالجة شاملة للتوترات في الداخل اليمني.
تبقى مسألة أزمة الممرات البحرية مرشحة للتصاعد، والفرص المفتوحة تتجاذبها كثير من القوى الإقليمية والدولية؛ إذ لم تعد التحالفات الغربية وحدها قادرة على التعامل مع التحديات الميدانية التي وصلت إلى تحقيق أهدافها بالتقنيات العسكرية الحديثة غير المكلفة كالصاروخ الباليستي والطائرات المسيرة.
لهذا تعد مسألة العودة إلى الدول الشاطئية لهذه الممرات مسألة غاية في الأهمية، مما يتطلب مزيداً من التفاهمات الدولية والإقليمية دون ايجاد حلولاً للصراع المتصاعد في الشرق الأوسط. وفي مقدمة ذلك إعادة التوازن باستعادة دور القوى الحية في جنوب اليمن المشرفة على مضيق باب المندب.