شارك الخبر
في الخامس والعشرين من ابريل 1859، بدأ حفر قناة السويس، بإمتياز ممنوح من والي مصر”محمد سعيد باشا” الي “فرديناند ديليسبس” الفرنسي ..بموجب الفرمان تم الإتفاق علي منح الشركة الفرنسية امتياز لمدة 99 سنة، وتقوم مصر بتوفير 5/4 العمال اللازمين للحفر …
بدأ العمل بعدد 1700 عامل تم جلبهم بنظام السخرة، قسراً من قراهم، مكبلين بالإغلال، حفاة شبه عراة، لم يميز من اختطف العمال من قراهم رجلًا من كهلًا من طفلًا دون ال12 عامًا، كان مركز التجمع في الزقازيق، ثم يساق البشر مشياً علي الأقدام من مدينة الزقازيق حتي الوصول الي منطقة الحفر وهم مربوطون من يدهم اليسري بحبل طويل بعضهم ببعض ..
في كتاب “السخرة فى حفر قناة السويس” للمؤرخ الدكتور عبدالعزيز محمد الشناوى، يذكر ان عدد العمال الذين تم اقتيادهم للعمل بالسخرة في القناة وصل الي “مليون” عامل، في وقت كان تعداد مصر كلها يزيد بالكاد علي 4 مليون نسمة … يعني تقريبا نصف رجال مصر شاركوا في الحفر و مات منهم ما يزيد عن 120 الف عامل اثناء عملية الحفر، لانهم كانوا يحفرون بالفأس و الغلأ فمات الكثير بفعل الإنهيارات الرملية اثناء الحفر، أو بفعل الإهمال في علاج امراض الاراض التي تفشت بينهم مثلا الكوليرا والجدري والسل نتيجة التكدس وعدم الرعاية الطبية. بل ان المؤرخ يذكر ان الكثير منهم مات جوعاً، حيث تقضي شروط العمل الوقوف في طوابير طويلة جدا انتظاراً للجراية (وجبة الطعام) ثم يدق جرس انتهاء حصة الإطعام والعودة الي العمل قبل تمكن الكثير منهم من الحصول علي الجراية المخصصه له، و بعضهم ايضا مات عطشًا بعد تراجع شركة القناة عن شق ترعة عذبه لتوفير المياة للعمال.
تشير الوقائع المذكورة الي حدوث تمردات منتظمة و محاولات للهرب من العمل والعودة الي قراهم التي أختطفوا منها قهرًا، كمثال تمرد عمال (قبلي )الذي تم فتح النار علي من حاول منهم المقاومة، و عادوا الي العمل بعد عقابهم علي التجرؤ علي محاولة الهرب، بعد اعتقالهم لفترة في معتقل أعد خصيصاً لعقاب العمال في منطقة عتبة الجسر.
في النهاية، و بعد 10 سنوات، تم حفر قناة السويس بطول 165 كم و عرض 190 متر وعمق 17 متر، تم استخراج 74 مليون متر مكعب من الرمال عن طريق سواعد الرجال باستخدام الفأس والقفة فقط.
وبعد كل تلك التضحيات المهولة في البشر و الارض، كان نصيب مصر من الأرباح 15٪ فقط! وسرعان ما أسس “فرديناند ديليسيبس” الشركة العالمية لقناة السويس البحرية برأسمال 200 مليون فرنك فرنسي موزعة على 200 الف سهم قيمة السهم الواحد 500 فرنك، وطرحت اسهم الشركة في الاسواق الدولية في نوفمبر 1858 اكتتب الفرنسيون بنحو 207,111 سهم ما يعادل نصف الاسهم فيما اكتتبت مصر بنحو 177,642 سهم وتوزعت باقي الاسهم المكتتبة في الاسواق الدولية.
سرعان بعدها ما باع الخديوي إسماعيل حصة مصر من الأسهم تجنباً لخطر الإفلاس، حيث عقدت الصفقة لتسديد دين حان موعد إستحقاقه، وبيعت أسهم مصر لبنك “روتشيلد” بمبلغ 4 مليون جنية استرليني.
دفع 120 الف مصري حياتهم وتم اختطاف شخص من بين كل شخصان من رجال مصر للعمل ….لقاء ما قيمته 4 مليون جنية أسترليني، أنفق الخديوي “إسماعيل” ما يقرب من نصفهم في حفل الإفتتاح الاسطوري وحده!
وفي 26 يوليو أمم الرئيس المصري جمال عبد الناصر قناة السويس والتزمت مصر بتعويض المساهمين ودفع الإلتزامات كافة علي شركة القناة، و بذلك استردت مصر حقها التاريخي المشروع في القناة بتضحيات من بذلوا الدم والعرق من أبنائها.
في الصورة نرى العمال المصريين وهم يقومون بأعمال الحفر والنقل باستخدام الوسائل اليدوية البسيطة الفأس و القفف، وبعدها كان هناك الحفل الاسطوري لإفتتاح قناة السويس، و بحضور جمال عبدالناصر معلنا تأميم قناة السويس.