شارك الخبر
عندي مشكلة مع بعض الإخوة من المطاوعة، وليس مع التدين ولا مع أهل الدين، وإنما مع طريقة تفكير عند البعض منهم؛ طريقة تجعل أي نقد أو نصيحة أو ملاحظة تفهم وكأنها هجوم على الدين أو على الدعوة حسب قولهم..
وطبعًا، هناك أناس لهم معزّة خاصة في القلب؛ محترمون، متفهمون، راقون في الحوار، يتقبلون الكلام بعقل مفتوح، ولا يرون في النقد إساءة، بل تجدهم في كثير من المواقف يؤيدون النقد إذا رأوا أنه في مكانه. وهؤلاء محل احترام وتقدير.
لكن مشكلتي مع البعض الآخر أن المشكلة عنده أحيانًا ليست في الكلام نفسه، وإنما في الشخص الذي قال الكلام.
أتذكر ذات مرة أنني دخلت في نقاش مع أحدهم حول فتح الميكروفون الخارجي لإلقاء موعظة أو كلمة بعد صلاة الفجر.
قلت له: يا أخي، إذا كان الأمر سيتسبب في إزعاج الناس، فلا أرى أن ذلك من حسن الذوق، ولا من مقاصد الشريعة التي جاءت بمراعاة حقوق الآخرين ورفع الضرر.
وضربت له مثالًا بسيطًا: كما أن الإنسان لا يصح أن يرفع صوت القرآن في بيته بطريقة تؤذي جيرانه، فكذلك لا ينبغي أن تتحول الموعظة إلى مصدر إزعاج للناس، خصوصًا بعد صلاة الفجر.
فما كان منه إلا أن اشتد غضبه وحمّر وصفّر واتهمني بأنني (محارب للدعوة)..
قلت له: بدل أن نحكم على بعضنا، دعنا نرجع إلى شخص نثق بعلمه ورزانته.
وكان هناك رجل من أهل العلم، معروف برجاحة العقل والهدوء، ويرجع إليه في مثل هذه المسائل. شرحت له الموقف، فقال بوضوح: إن استخدام الميكروفون الخارجي بعد الفجر إذا كان سيزعج الناس لا يجوز، ولا بأس باستخدام الميكروفون الداخلي.
بل ذكر لي أنه شخصيًا، عندما يأتي أحد لإلقاء كلمة بعد صلاة الفجر في المسجد الذي يشرف عليه، يكتفي بالميكروفون الداخلي ويغلق الخارجي حتى لا يزعج الناس.
هنا انتهى النقاش.
وموقف آخر كان حول فريضة الحج.
في الفترة التي أعقبت كورونا، وضعت السلطات السعودية ضوابط تتعلق بأعمار الحجاج، وكان الهدف منها تنظيم الأعداد والحفاظ على صحة وسلامة الناس.
لكن أحد الإخوة، بحكم عمله مع إحدى وكالات الحج، كان يتحدث عن التحايل على النظام وتزوير البيانات وتغيير أعمار بعض الأشخاص في الوثائق حتى يتمكنوا من الدخول، مقابل عمولة يحصل عليها.
اعترضت على ذلك وقلت له: يا أخي، هذا نظام دولة، والقرار لم يأتِ من فراغ، وإنما وضع لمصلحة عامة، فلا يجوز أن نصل إلى التزوير والاحتيال بحجة أن شخصًا يريد الحج.
فغضب غضبًا شديدًا، وكأنني أعارض عبادة أو أمنع الناس من التقرب إلى الله..
بل إنه كان يرى أن من يرفض التحايل لا يحمل في قلبه الشوق إلى الأراضي المقدسة، مستشهدًا بامرأة اتصلت به وهي تبكي وتطلب منه أن يجد لها أي طريقة حتى تتمكن من الحج.
وكعادتي، رجعت إلى الرجل العاقل نفسه وطرحت عليه المسألة، فجاء رده واضحًا: لا يجوز التزوير ولا التحايل ولا الغش، وما دام هذا نظامًا وقرارًا لمصلحة عامة، فيجب احترامه وعدم التحايل عليه.
وضرب مثالًا بسيطًا: إشارة المرور؛ إذا كانت حمراء وأمرتك بالتوقف، فلا يحق لك أن تتجاوزها ثم تبرر ذلك بأن لديك مصلحة أو أنك مستعجل.
وهنا أصل المشكلة عندي:
بعض هؤلاء لا يتقبل منك أي نقد أو نصيحة أو حتى كلامًا عاديًا، لأنك في نظره رجل من (العوام). وكأن قيمة الكلام تتحدد بمن قاله، وليس بصحة الكلام نفسه.
لكن جرّب أن تقول له الفكرة ذاتها، وبنفس المعنى، ثم تأتيه من شخص منهم وفيهم، أو من أحد مشايخه؛ ستجد الموقف مختلفًا تمامًا. يتقبلها بصدر رحب، وربما يعيد نشرها على نطاق واسع، ويثني على صاحبها…
وهنا أقول:
إذا كان الكلام صحيحًا حين يأتي من شيخ، فلا ينبغي أن يصبح خطأ حين يأتي من عامي. وإذا كانت النصيحة مقبولة حين تأتي من شخص من جماعتكم، فلا ينبغي أن تتحول إلى إساءة أو محاربة للدعوة لمجرد أنها جاءت من شخص مختلف عنكم.
أنا لا أطالب أحدًا بأن يقبل كلامي لمجرد أنني قلته، وإنما أطالب بشيء بسيط: يا جماعة ناقشوا الفكرة قبل أن تحاكموا صاحبها، وقيّموا الكلام بعقولكم، وليس بهوية من قاله.
فالدين ليس شعائر وعبادات فقط؛ الدين أيضًا أخلاق، وحكمة، وتواضع، وإنصاف، وحسن تعامل مع الناس.
وهذه هي العقول التي تحترم؛ العقول التي تعرف أن الحق لا يقاس بمن قاله، وأن النصيحة لا تتحول إلى عداوة لمجرد أنها جاءت من شخص مختلف في الرأي..
والله من وراء القصد..
من حائط فيسبوك عماد حسين الرهوي