شارك الخبر
قبل الساعة الثالثة بقليل من بعد ظهر يوم 28 سبتمبر 1970 كان أمير الكويت، الشيخ صباح السالم الصباح، يجلس في الاستراحة الرئاسية بمطار القاهرة بصحبة أنور السادات وحسين الشافعي في انتظار وصول الرئيس جمال عبد الناصر لتوديعه قبل عودته إلى بلده بعد انتهاء أعمال مؤتمر القمة العربية الطارىء الذي دعى إليه عبد الناصر لبحث تطورات المواجهات الدامية بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية.
في الثالثة تماما وصل الرئيس، ويقول الشيخ صباح أنه لاحظ تجهم عبد الناصر الشديد، على عكس عادته، وأنه صافح الجميع وهو على تجهمه، وتصور الشيخ أنه تلقى – في الطريق إلى المطار – أنباء غير سارة، مثل تجدد القتال في عمّان، وسأله: خير إن شاء الله، هل هناك شيء غير عادي؟
رد عبد الناصر: لا.. أبدا
وعاد أمير الكويت يستفسر: هل وصلت معلومات جديدة من عمّان؟
أجاب عبد الناصر: لا أبدا، أنا كنت نائما، ومنذ استيقظت إلى أن جئت للمطار لم أقرأ شيئا.
وقال الشيخ صباح متلطفا: لماذا أجهدت نفسك بالحضور للمطار، كان يكفي وجود الأخرين (وأشار إلى السادات والشافعي)
لكن عبد الناصر قال: لا.. لا.. مفيش تعب ولا حاجة.
في الثواني التالية لاحظ أمير الكويت أن عبد الناصر عاد إلى تجهمه، ولاحظ كذلك أنه كان يميل برأسه إلى الأمام ثم يحاول رفعها بصعوبة، وفضّل الشيخ ألا يرهقه بالحديث عن أي شيء، ولكن عبد الناصر قطع الصمت قائلا له: ألا تغير رأيك وتأتي معي لتقضي أجازة قصيرة في برج العرب؟ واستطرد: هناك منزلا لطيفا ومريحا وقد أُعد جيدا.
وبعد فترة صمت قال له عبد الناصر: أنا أعرف أنك أيضا متعب، فلماذا لا نقضي 10 أيام في برج العرب؟
رد أمير الكويت: إن الإخوان في الحكومة لا يسمحون لي بالابتعاد طويلا عن الكويت.
ولم يسكت عبد الناصر وقال: قل لهم إنك تريد الاستراحة لبعض الوقت.
والتفت الشيخ إلى وزير دفاعه، سعد العبد الله، يسأله وهو يضحك: هل تسمحون لي بالتغيب؟ ألستم تمنعوني من ذلك؟
وارتبك وزير الدفاع وقال: على راحتك يا سمو الأمير.
وقال عبد الناصر على الفور: خلاص تعالى معي إلى برج العرب، لا تتردد، سنستقل السيارة معا ونذهب إلى هناك، لا تتردد.
ورد أمير الكويت: الحقيقة يا سيادة الرئيس لم أكن مستعدا لمثل هذه الأجازة، ولكني سأقوم بتلبية دعوتك في أقرب وقت.
ووقف الأمير ليتجه إلى الطائرة ووقف الجميع، ولفت نظره أن الرئيس يمشي بصعوبة شديدة، كما لو كان يجر قدميه جرا، وبعد خطوات توقف وعاد في الإلحاح عليه لمصاحبته إلى برج العرب، وابتسم الأمير معتذرا.
ووصل الجميع إلى الدرج الأخير الذي يسبق أرض المطار، وكانت سيارة الرئاسة المصرية – على غير العادة – تقف عند نهايته وبعدها طائرة أمير الكويت، وهبط عبد الناصر الدرج ببطء شديد وهو يميل رأسه للأمام.
وعندما وصلا قرب السيارة التفت إليه الرئيس قائلا: اسمع يا أخ صباح، لماذا لا تأمر الطائرة بالعودة للكويت وتأتي معنا إلى برج العرب؟ وعاد الأمير لتكرار الاعتذار وقال: أعدك بالعودة بعد شهر لنقضي أجازة سويا، فقال عبد الناصر: هذا وعد؟ ورد الأمير: وعد بالتأكيد وأنا متمسك به.
واتجه الرئيس والأمير إلى منصة الشرف وعبد الناصر لا يزال يميل رأسه للأمام ولا يستطيع رفعها، ووقفا استعدادا لعزف السلامين الوطنيين لمصر والكويت، ولاحظ الامير أنه عندما بدأت الموسيقى في العزف أن عبد الناصر عاد إلى طبيعته التي يعرفها، حيث انتصبت قامته ورفع رأسه حتى انتهاء العزف.
واتجها لاستعراض حرس الشرف، وعاد رأس عبد الناصر للميل للأمام وكان يجر قدميه بصعوبة، وعندما وقفا عند سلم الطائرة لاحظ الأمير أن يده رخوة لا تقوى على الضغط على يده، وعندما قبّله على خده الأيمن لفت نظره أنه يتصبب عرقا، وعندما قبّله على الخد الأيسر فوجىء به وهو يسند على كتفه بشدة، وتصور الأمير أنه من علامات حرارة الوداع!
في تلك الدقيقة كان طبيب أمير الكويت الخاص يقف في الخلف، وفوجىء الجميع به يتقدم ناحية عبد الناصر يصافحه، وهو تصرف مخالف للبروتوكول.
وصعد الأمير سلم الطائرة وقبل أن يصل إلى نهايته التفت فوجد عبد الناصر يركب سيارته ويتحرك بها، وهو أمر غير معتاد منه حيث كان يقف مودعا حتى تغادر الطائرة.
في الطائرة جاءه طبيبه وتحدث إليه قائلا: الرئيس جمال مريض يا سمو الأمير، وأخذ يكرر: مريض.. مريض.. مريض جدا، وإذا لم يسعف فإن الوضع سيكون حرجا للغاية، لقد تعمدت أن أخالف البروتوكول وصافحته ووجدت يده رطبه وأن العرق يملؤها.
…………………………………………………………………………
عاد الشيخ صباح السالم الصباح إلى الكويت، وبعد ساعات سمع الخبر في الإذاعة… مات جمال عبد الناصر.