شارك الخبر
في عدن، حيث تتعانق الجبال مع البحر، وحيث يختلط عبق الموانئ بذاكرة المدينة، يقف مستشفى باصهيب العسكري في التواهي فوق واحدة من أكثر البقاع تميزاً في المدينة؛ مستشفى لم يختر له موقعه مصادفة، بل شُيّد على تلة تمنحه إطلالة نادرة على بحر خليج عدن وميناء عدن والقصر الرئاسي بالتواهي.
ومن أعلى الموقع تبدو عدن كما لو أنها لوحة مفتوحة؛ البحر أمام العين، والميناء في مرمى النظر، والجبال تحيط بالمشهد، فيما تنفتح التواهي على واحدة من أجمل الواجهات البحرية في العالم .
حكاية بدأت في العهد البريطاني
تعود قصة المبنى إلى خمسينيات القرن الماضي، حين شيدته السلطات البريطانية ليكون مستشفى عسكرياً متقدماً، وعُرف باسم:
No. 7 Royal Air Force/Military Hospital
وافتتح عام 1957، ليخصص بصورة أساسية لتقديم الرعاية الطبية لمنتسبي القوات المسلحة البريطانية وعائلاتهم، ولأفراد سلاح الجو الملكي البريطاني والطيارين.
وكان المستشفى في ذلك الوقت جزءاً من منظومة عسكرية متكاملة أقامتها بريطانيا في منطقة التواهي ومحيطها، مستفيدة من الموقع الجغرافي الفريد للمنطقة وإطلالتها المباشرة على البحر والميناء.
التواهي.. مربع بريطانيا العسكري
لم يكن مستشفى باصهيب منشأة منفردة وسط الفراغ، وإنما كان يقع ضمن نطاق جغرافي احتشدت فيه منشآت عسكرية وإدارية وسكنية بريطانية مهمة.
ففي التواهي والفتح ورأس مربط تشكلت خلال تلك المرحلة واحدة من أهم المناطق العسكرية والإدارية المرتبطة بالوجود البريطاني في عدن.
وضمت المنطقة منشآت للقيادة البريطانية، وثكنات عسكرية، ومساكن للضباط، وفللاً خصصت لأفراد القوات البريطانية وعائلاتهم، إلى جانب مرافق مرتبطة بسلاح الجو الملكي والقوات البرية.
وكان الموقع المطل على الميناء والبحر يمنح هذه المنطقة أهمية استراتيجية مضاعفة، إذ يجمع بين سهولة مراقبة المجال البحري وقربه من المراكز الحيوية في عدن.
بعد رحيل البريطانيين.. اسم جديد ومرحلة جديدة
مع استقلال الجنوب ورحيل القوات البريطانية عن عدن، دخل المستشفى مرحلة جديدة، قبل أن يعاد افتتاحه عام 1974 تحت اسم مستشفى باصهيب العسكري.
ومنذ ذلك التاريخ أصبح اسم «باصهيب» جزءاً من ذاكرة عدن الطبية والعسكرية، وارتبط المستشفى بخدمة منتسبي القوات المسلحة وأسرهم، وظل أحد أبرز المستشفيات العسكرية في المدينة.
مستشفى فوق أجمل شرفة في عدن
وربما لا يوجد ما يختصر خصوصية باصهيب أكثر من موقعه.
فالمستشفى لا يقف على أرض عادية؛ إنه يستقر فوق تلة تبدو كأنها شرفة طبيعية معلقة فوق عدن، تطل على البحر والميناء والقصر الرئاسي، وتكشف للناظر طبقات متداخلة من تاريخ المدينة.
من هناك، لا يبدو البحر مجرد خلفية للمبنى، بل جزءاً من حكايته؛ فالميناء الذي كان أحد أهم أسباب الأهمية الاستراتيجية لعدن يقع في مرمى النظر، والبحر الذي حمل السفن والتجارة والجيوش عبر قرون يمتد أمامه بلا حدود.
ولهذا فإن قصة مستشفى باصهيب ليست قصة مبنى طبي فحسب، وإنما قصة مكان التقت فيه الجغرافيا بالتاريخ، والطب بالاستراتيجية، والعمران بجمال الطبيعة.
إنه واحد من تلك المواقع العدنية التي لا تكفي لروايتها صورة لمبنى أو اسم في سجل المستشفيات؛ فكل حجر فيه يستدعي مرحلة، وكل نافذة تطل على صفحة من تاريخ عدن.
باصهيب.. مستشفى عسكري شُيّد على كتف البحر، وظل شاهداً من علٍ على ميناء عدن ومدينة التواهي وتحولات زمن طويل من تاريخ المدينة.
دلتابرس / أحمد يسلم