شارك الخبر
دلتابرس . العرب
أعادت الحرب حول مضيق هرمز إلى الواجهة واحدًا من أكثر المشاريع الهندسية طموحًا في الخليج، وهو مشروع «قناة سلمان» المقترح لربط الخليج العربي ببحر العرب عبر مسار يعبر الأراضي السعودية واليمنية. فمع تحول هرمز خلال الأشهر الماضية إلى نقطة اختناق حادة أمام تجارة الطاقة، عادت فكرة البحث عن طريق مائي يتجاوز المضيق إلى التداول، بعد سنوات بقيت خلالها القناة في إطار الدراسة والتصورات النظرية.
لكن العودة إلى المشروع لا تعني أن السعودية بدأت تنفيذه. فالمعلومات المتاحة تشير إلى أن «قناة سلمان» تعود إلى دراسة طرحت في عام 2015، فيما لا توجد مؤشرات موثوقة على قرار سعودي حديث بإطلاق أعمال البناء. بل إن رئيس هيئة المساحة الجيولوجية السعودية كان قد قال إن إنشاء قناة تربط الخليج بالبحر الأحمر أو بحر العرب مستبعد في ذلك الوقت، مشيرًا إلى أن الأفكار والدراسات النظرية الموجودة على الورق تحتاج إلى قرارات سياسية واجتماعات دولية.
التصور الأصلي للمشروع قدمه سعد بن عمر، رئيس مركز «القرن العربي للدراسات» في الرياض، باعتباره قناة بطول يقارب 950 كيلومترًا، منها نحو 630 كيلومترًا داخل الأراضي السعودية و320 كيلومترًا في الأراضي اليمنية. وكان المقترح أن يبلغ عرضها نحو 150 مترًا وعمقها 25 مترًا، وأن تبدأ من منطقة على الخليج وتتجه عبر الربع الخالي وصولًا إلى بحر العرب. وقدرت الدراسة كلفة المشروع بنحو 80 مليار دولار، وليس 140 مليارًا كما تذكر بعض المنشورات المتداولة حاليًا.
وكان الهدف الرئيسي هو توفير ممر بديل لحركة النفط والبضائع الخليجية بعيدًا عن مضيق هرمز، بما يتيح لدول مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر استخدام طريق آخر للوصول إلى بحر العرب والمحيط الهندي. كما تضمنت التصورات الأولية إنشاء مناطق صناعية وسكنية ومنشآت مرتبطة بالقناة.
وتحدث أصحاب الدراسة آنذاك عن إمكانية إنجاز المشروع خلال نحو خمس سنوات، لكن هذا الرقم كان تقديرًا أوليًا مرتبطًا بالتصور البحثي، وليس جدولًا زمنيًا رسميًا لمشروع معتمد. ولذلك فإن الحديث المتداول عن أربع سنوات من العمل المتواصل لا يمكن تقديمه باعتباره موعدًا سعوديًا معلنًا.
ما تغير اليوم ليس المشروع نفسه بقدر ما تغيرت البيئة التي جعلت فكرة وجود طريق بديل أكثر إلحاحًا. فقد أظهرت الحرب أن الاعتماد على مضيق هرمز يظل نقطة ضعف استراتيجية لدول الخليج ومصدري الطاقة، حتى مع وجود خطوط أنابيب وموانئ بديلة.
وتشير بيانات حديثة إلى أن المضيق كان يمر عبره قبل الحرب نحو 20 في المئة من إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية، فيما أدى اضطراب حركة الملاحة إلى تراجع كبير في تدفقات الطاقة من المنطقة. ومع ذلك، لم تنتظر السعودية اندلاع الأزمة لتطوير بدائلها البرية.
فخط الشرق – الغرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر أصبح خلال الحرب أحد أهم أدوات المملكة لتقليل الاعتماد على هرمز. وتبلغ طاقته التصميمية نحو 7 ملايين برميل يومياً، بينما تسعى السعودية، وفق مصادر نقلت عنها رويترز في يوليو، إلى بحث زيادة قدرته بما يصل إلى مليونين إضافيين، مع اتصالات أولية بشأن إمكان استخدام البنية التحتية الموسعة لنقل نفط دول خليجية أخرى.
وأظهرت التطورات الأخيرة أهمية هذا المسار؛ فبعد تعرض خط الشرق–الغرب لهجوم بطائرة مسيرة في سبتمبر، استؤنفت عمليات خط الأنابيب وتحميل النفط في ينبع، وإن بقيت التدفقات في البداية دون مستويات ما قبل الهجوم.
وهذا التطور يقدم دلالة مهمة: السعودية تتحرك فعلياً في مجال تنويع طرق تصدير الطاقة، لكن عبر البنية التحتية الموجودة والقابلة للتطوير، وليس عبر قناة مائية ضخمة لم تدخل مرحلة التنفيذ.
لو عادت «قناة سلمان» إلى طاولة القرار، فلن تكون الكلفة المالية وحدها العقبة. فالمشروع المقترح يمر عبر منطقة صحراوية شاسعة ويتطلب أعمال حفر هائلة، كما أن المسار المقترح داخل اليمن يضيف بعدًا سياسيًا وأمنيًا بالغ التعقيد.
وتشير الدراسة الأصلية إلى وجود فروق كبيرة في الارتفاعات على المسار المقترح، وهو ما يفرض تحديات هندسية تتعلق بمستويات المياه ومنشآت العبور والتحكم. كما أن ربط الخليج ببحر العرب عبر الأراضي اليمنية يتطلب ترتيبات سياسية وقانونية وأمنية لا يمكن اختزالها في اتفاق هندسي بين دولتين.
ولهذا طرحت الدراسة نفسها مسارات بديلة، بينها مسار عبر سلطنة عمان في حال تعذر المسار اليمني. لكن هذا الخيار بدوره يفتح ملفاً مختلفاً يتعلق بالسيادة والحدود والتفاهمات الإقليمية.
كما أن القناة، إذا أريد لها استقبال سفن تجارية وناقلات كبيرة، ستحتاج إلى بنية متكاملة من الموانئ والأهوسة والمرافق اللوجستية ومحطات الطاقة والخدمات، ما يعني أن الرقم المتداول عن تكلفة المشروع قديم ولا يمكن إسقاطه آليًا على أسعار البناء الحالية.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن حرب هرمز أعادت تعريف قيمة البدائل. فالمناقشات السعودية الحالية حول توسيع خط الشرق – الغرب، واتصالاتها الأولية مع دول خليجية بشأن زيادة قدرته، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن أمن الطاقة لم يعد يتعلق بحجم الإنتاج فقط، وإنما بالقدرة على إيصال هذا الإنتاج إلى الأسواق عندما تتعرض الممرات البحرية للخطر.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تستعيد «قناة سلمان» قيمتها بوصفها تصورًا استراتيجيًا طويل الأجل أكثر من كونها مشروعًا جاهزًا للتنفيذ. فأزمة هرمز قد تدفع الرياض إلى إعادة دراسة الخيارات الأكثر طموحًا، لكن الفارق كبير بين دراسة الفكرة وبين اتخاذ قرار سياسي وتمويل مشروع عابر للحدود بهذا الحجم.
وقد تكون النتيجة الأكثر واقعية في المدى القريب هي استمرار الاستثمار في خطوط الأنابيب والموانئ على البحر الأحمر وتوسيع قدراتها، وهي حلول أقل كلفة وتعقيدًا ويمكن تنفيذها تدريجيًا. أما القناة، فتظل مرتبطة بسؤال أكبر: هل ستعتبر دول الخليج أن تكرار أزمة هرمز يبرر الاستثمار في ممر بحري جديد مهما بلغت كلفته، أم أن تطوير شبكة من البدائل البرية والموانئ سيكون أكثر قابلية للتنفيذ؟
لهذا تبدو «قناة سلمان» اليوم أقرب إلى اختبار لمدى تغير الحسابات الاستراتيجية بعد حرب هرمز منها إلى مشروع سعودي دخل مرحلة البناء. فالأزمة أعادت إحياء السؤال، لكنها لم تقدم بعد إجابة حول ما إذا كانت السعودية مستعدة لتحويل هذا التصور الذي بقي على الورق لأكثر من عقد إلى مشروع فعلي.