شارك الخبر
——————————————————————————
بقلوبٍ يعتصرها الألم، ونفوسٍ أثقلها الحزن لفقدان اعز رفاقنا في هذا العام والأعوام السابقة. نودّع اليوم إلى جوار ربه البطل والقائد العسكري الجنوبي اللواء/ صالح عبد عبدالله الصري ذلك الإنسان العظيم الذي تكوّنت شخصيته من معدن يفوق معدن الذهب واجتمعت فيه صفات الرجال العظام من شجاعةٍ ونزاهةٍ واخلاق وتواضعٍ ووفاء.
كنت أسمع عن هذا القائد والرجل الفذ قبل حرب صيف عام 1994م وعن مسؤوليته الكبيرة في القوات البحرية الجنوبية، ومواقفه التي صنعت له مكانةً مرموقة بين رفاقه. وبعد أن أُجبرنا على مغادرة وطننا إلى المملكة العربية السعودية نتيجة حرب 1994 م واحتلال الجنوب من قبل النظام الرجعي التقيت به عن قرب وجمعتنا ظروفٌ صعبة وتجارب قاسية، فوجدت فيه الكثير من الصفات النبيلة التي ظللت أعتز بها .
لقد كان رجلًا استثنائيًا في مواقفه وسلوكه وتصرفاته، متواضعًا رغم مكانته، شجاعًا في المواقف الصعبة نزيهًا في تعامله، وفيًّا لرفاقه. وكنت أضرب به المثل في أخلاقه ومواقفه بين كل من لا يعرفه لما لمسته فيه من صفاء النفس وأصالة المعدن وسموّ المبادئ.
كان القائد صالح عبدالله الصري بالنسبة لي أكثر من أخ؛ كان رفيق دربٍ عزيزًا، ورجلًا تعلمت منه الكثير وشاهدت في حياته مواقف ستظل محفورة في ذاكرتي ما حييت.لقد تعلمنا منه دروسًا ثمينة في الحياة والمواقف ونكران الذات واكتشفنا في شخصيته كنوزًا من القيم والأخلاق التي افتقدنا الكثير منها بفعل الصراعات والفتن التي عصفت ببلادنا وأخذت معها رجالًا كان الوطن في أمسّ الحاجة إلى حكمتهم وخبرتهم ومواقفهم الصادقة.
ذاكرتي ملئية بالمواقف والذكريات عن هذه الشخصية العظيمة فالكلمات مهما بلغت من البلاغة تعجز أحيانًا عن وصف الرجال الذين تسبق أفعالهم أقوالهم، وتبقى مواقفهم أكبر من كل ما يُكتب عنهم.
لقد كان اللواء صالح عبدالله الصري واحدًا من الرموز الجنوبية التي جمعت بين الكفاءة القيادية والعسكرية، والأخلاق الرفيعة، والتواضع، والنزاهة، والشجاعة. وكان من أولئك الرجال الذين لا تُقاس عظمتهم بمناصبهم وألقابهم، بل بما يتركونه في نفوس الآخرين من احترامٍ ومحبةٍ .
وما أشدّ وجعنا حين نفقد أمثال هؤلاء الرجال في زمنٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى حكمتهم، وخبرتهم، ومواقفهم الوطنية والإنسانية. إن رحيلهم ليس خسارةً لأسرهم ورفاقهم ومحبيهم فحسب، بل خسارةٌ للوطن وذاكرته وللأجيال التي تحتاج إلى معرفة سيرتهم والاقتداء بأخلاقهم.
ومن منطلق الوفاء لهذا الرجل العظيم، فإنني سأحرص على نشر ما تختزنه ذاكرتي من مواقف وذكريات جميلة وقاسية جمعتني به والواجب ان انقل للاجيال سيرة حياته في مقالات شهرية متتابعة وفاءً لرفيق دربي، و التي تستحق أن تُروى سيرته، وأن تُخلّد مواقفه في ذاكرة الوطن.
رحمك الله يا أبا جابر، يا رفيق الدرب وأخًا عزيزًا لن تنساك الذاكرة. رحلت عن دنيانا، لكنك تركت في قلوبنا أثرًا لا يمحوه الزمن وسيرةً عطرةً ستظل حاضرةً في وجدان كل من عرفك وعاشرك. ستبقى ذكراك خالدةً خلود جبال شمسان وصيرة والعر وذي عسيم، وستظل مواقفك شاهدًا على زمن الرجال الأوفياء الذين عاشوا بكرامة، وتمسكوا بمبادئهم ورحلوا هامات تاركين وراءهم إرثًا من القيم والمواقف النبيلة.
رحم الله المناضل والقائد العسكري اللواء/ صالح عبدالله الصري «أبا جابر»، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته الكريمة وأبناءه الأعزاء ورفاق دربه ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رفيق درب الفقيد
د/ علي صالح أبوشامة
نيويورك
الأحد، 4 أكتوبر 2026