شارك الخبر
قصة «رهائن ببنادق الرويشان» والدهاء في التخلص من الرهن مقابل البندقية الفرنساوي.. ولماذا أُطلق اسم «العيلمان»؟!
اعداد . رئيس تحرير دلتابرس
تختزن الذاكرة الشعبية والقبائلية في يافع وعموم مناطق الجنوب والشمال اليمني تاريخاً حافلاً وارتباطاً وثيقاً بالسلاح؛ فهو لم يكن مجرد أدوات قتال، بل جزءاً أصيلاً من الموروث الاجتماعي والرمزية القبلية وماصاحبه من أهازيج الشعراء التي وثّقت التحولات السياسية والعسكرية ومحطات الدهاء والذكاء القبلي عبر العقود.
ومن أغرب هذه الروايات ما تحفظه السير الشفهية عن حادثة ذهاب قبائل من «يافع كلد» إلى «الرويشان»، عامل الإمام في محافظة البيضاء، والذي منح كل عشرة رجال بندقية من طراز «فرنساوي» (الظاهرة في الصورة)، مقابل تقديم رهينة يجري التداول عليه بين الأشخاص الذين يستلمون هذه البنادق العتيقة من مخلفات الحرب العالمية الأولى .
عزوف القبائل من حمل الفرنساوي والرهان على «الإنفيلد» الكندة البريطانية
لم تكن البندقية «الفرنساوي» محط رغبة القبائل أو مبتغاهم؛ إذ كان العصر حينها يتطلع إلى بندقية «الإنفيلد» البريطانية الشهيرة ذات الكفاءة العالية والموثقية كسلاح عصره وهي التي ذاع صيتها في الخمسينيات وما بعدها. وقد عبّر أحد شعراء قبيلة السعيدي عن هذا الامتعاض بلسان الحال، قائلاً في زامل شعبي شهير:
قال امسعيدي رحت لمبيضاء
واندوني البندق فرنساوي
ملا استلبته يوم أنا حاوي
ولا الحكومة شغلها ثاني
وقصد الشاعر بأبياته أنه لم يأخذ «الفرنساوي» عن رغبة وطمع، وإنما لظروف فرضتها سياسة الحكومة وطريقة التعامل حينها.
دهاء يافعي وطرفة تاريخية من ذاكرة الرهائن
ومن الطرائف والمواقف التاريخية التي تروى في هذا السياق، ما رواه لي الشيخ علي شيخ الحجاشي النسري، عن تفاصيل تسلّم شقيقه عيدروس الحجاشي عشر بنادق من تلك البنادق الفرنساوية، وكانت إحداها من نصيب والد كاتب هذه السطور (رحمة الله عليه).
وحدث أثناء فترة الرهن في البيضاء أن توفي الشيخ عيدروس الحجاشي جراء جائحة مرض الجدري الذي كان يُعرف شعبياً بـ «الخامج» الذي ساد مناطق اليمن في مطلع الخمسينات وحين جاء الدور على والدنا المغفور له يسلم صالح زين السنيدي للذهاب إلى البيضاء كرهينة بديلة، حضر بدهاء وحنكة إلى الشيخ علي شيخ الحجاشي (وفي رأسه خبر )كما يقال في الأمثال الذي أبلغه باستحقاق دوره للطلوع إلى البيضاء.
وهنا همس والدنا بذكاء وفطنة للشيخ علي شيخ قائلاً:
«كيف تريدنا أن نذهب إلى البيضاء ولنا قتيل عند الرويشان؟! حرر مكتوباً إليه تطالب فيه بدية مُحْدَث (أي 11 دية) وعشر بنادق فوق العشر التي سارت معهم!»
فما كان من الشيخ علي شيخ الحجاشي إلا أن أبدى إعجابه الشديد بذكاء والدي وحنكته وحسن تصرفه في قلب الموقف لصالحهم
أسرار التسمية: لماذا سموها بـ «العيلمان»؟
تتعدد المسميات المحلية للأسلحة التاريخية في اليمن ويافع، إلا أن بندقية «العيلمان» تأخذ الطابع الأكثر إثارة للتندر والبحث التاريخي.
وتفيد المأثورات والروايات المتواترة بأن هذه التسمية جاءت عن طريق الجنود والضباط الأتراك الذين قدموا إلى اليمن خلال الوجود العثماني؛ إذ كانوا ينطقون الهمزة عيناً، فبدلاً من قول كلمة «ألماني» ينطقونها «عِلْماني» (بكسر العين)، فتلقفها السكان منهم وحوروها شعبياً إلى «عَيْـلَمَان»، لتصبح اسماً محلياً شائعاً لبنود الماوزر الألمانية قصيرة السبطانة.
تعرف على أصناف البنادق القديمة الثلاث (من واقع الصورة – إهداء: جمال اليزيدي)
تعتبر هذه الأسلحة الثلاثة الظاهرة في الصورة المهداة من الأخ جمال اليزيدي من أثمن الأسلحة التراثية التاريخية التي دخلت حضرموت ويافع والشمال اليمني وبقية دول الجزيرة العربية خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولكل واحدة منها خلفية صناعية ومسميات محلية عريقة:
1. البندقية اليمنى: «الجرمل» / «الجرمني» / «العيلان»
الماركة والأصل: بندقية ألمانية تاريخية، إما من طراز Mauser Model 1871 أو Gewehr 1888 (Commission Rifle). تتميز بطول سبطانتها النحيفة ومقبض المغلاق الأملس المستقيم.
التسميات المحلية:
الجرمل أو الجرمني: نسبة إلى بلد المنشأ ألمانيا (Germany).
العيلان: تُطلق محلياً في يافع ومناطق عدة على الطرازات الطويلة من الماوزر الألماني القديم، نظراً لقوة صوتها ومدى اقتناصها البعيد.
الماوزر الطويل / أم حبة: نسبة لنظام تلقيمها الفردي أو مفردة الإطلاق القديمة قبل انتشار المخازن السريعة.
2. البندقية الوسطى: «العيلمان» (Mauser Kar98k)
الماركة والأصل: بندقية ماوزر Kar98k ألمانية الصنع (أو النسخ البلجيكية FN Model 1924 والتشيكية Vz. 24 التابعة لنفس الطراز). تعتبر من أشهر البنادق التي اعتمدت نظام التلقيم اليدوي بمقبض المغلاق المنحني لأسفل، مع وجود الفتحة الدائرية المعدنية أسفل الأخشب الخشبي.
التسميات المحلية:
العيلمان / العيلماني: التسمية الشعبية الأكثر انتشاراً في يافع والجنوب لبندقية الماوزر 98 قصيرة السبطانة، تحريفاً لنطق الأتراك لكلمة «ألماني».
الماوزر: التسمية العالمية والمحلية الفصيحة المنسوبة للمصمم الألماني بيتر بول ماوزر.
أم خشبة / الماور: تُسمى في بعض الموروثات القبيلة بالمقبض المنحني.
3. البندقية اليسرى: «الفرنساوي» (Gras Model 1874)
الماركة والأصل: بندقية غراس الفرنسية Fusil Gras M80 Model 1874، وتتميز بالأربطة النحاسية (الحلقات الذهبية) التي تمسك السبطانة مع الأخشب الخشبي، وقفل التلقيم ذي المقبض المستقيم الفريد، واللوحة النحاسية في بيت النار وواقي الزناد.
التسميات المحلية:
الفرنساوي / الفرنسية: نسبة إلى بلد التصنيع فرنسا.
أم حلقات / أم حلقة: نظراً لوجود الأربطة والحلقات النحاسية الصفراء المميزة حول الجسم الخشبي للسبطانة.
بندقية غراس: الاسم الفني والتاريخي المعروف محلياً بين هواة ومقتني الأسلحة القديمة.
تجسد هذه المجموعة ثلاثية متكاملة لابتكارات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين التي دخلت المنطقة عبر التجارة والحروب القديمة، ولا تزال تحظى بمكانة رفيعة في التراث القبلي والافتخار بالمقتنيات الأثرية والتاريخية في يافع والجنوب عامة.