شارك الخبر
في صباح الخميس 4 أكتوبر 1973، وقبل يومين فقط من معركة الكرامة والتحرير، استقل اللواء طيار حسني مبارك – قائد القوات الجوية وقتها – طائرة “إليوشن” من مطار ألماظة متجهًا إلى قاعدة غرب القاهرة الجوية بالكيلو 40 على طريق مصر-الإسكندرية الصحراوي.
هناك، كان في انتظاره الرائد طيار أحمد صادق الجواهرجي، أحد طياري السرب الاستراتيجي TU-16، الطائرة القاذفة الثقيلة القادرة على حمل صاروخين يزن كل منهما 3 أطنان.
في تلك اللحظات، اعتقد الجواهرجي أن خبرًا سيئًا بانتظاره، ربما وفاة والده اللواء طيار صادق الجواهرجي، القائد السابق لمبارك وصديقه المقرب. لكن اللقاء حمل خبرًا آخر تمامًا…
بابتسامة هادئة وصوت يحمل مسؤولية المعركة، قال مبارك للجواهرجي:
> “بعد بكرة معركة التحرير ورد الكرامة… ومهمتك تدمير مركز قيادة “أم مرجم” في وسط سيناء.”
سأل الجواهرجي بقلق:
> “هل ستكون معي مقاتلات للحماية؟”
فأجابه مبارك بحسم:
> “لا… كل الطائرات مشغولة في المعركة. مهمتك صعبة لكن لازم تنفذها.”
ثم أعطاه تعليمات دقيقة للتمويه؛ أن يتجه أولًا إلى وادي النطرون ثم الصحراء الغربية قبل العودة للهدف، وأن يحرص على أن تصيب صواريخه الهدف في تمام الساعة الثانية ظهرًا، بالتزامن مع بدء الهجوم الشامل.
ساعة الصفر.. 6 أكتوبر
في صباح يوم السبت 6 أكتوبر، وقف الجواهرجي أمام طائرته الضخمة يستعد للمهمة. اقترب منه المساعد تلاوي، قائد الطاقم الأرضي، ليشاهد الجواهرجي يكتب على أحد الصواريخ:
> “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.”
حين سأله عن السبب، أجاب بابتسامة واثقة:
> “النهاردة هنضرب إسرائيل.”
وفي الساعة الثانية تمامًا، انطلقت صواريخ طائرة الجواهرجي، ومعها طائرة زميله الرائد طيار طموم، لتدك مركز القيادة الإسرائيلي بأربعة صواريخ من كل طائرة – 12 طنًا من المتفجرات – محولة المركز إلى رماد.
العودة إلى القاهرة
بعد إتمام المهمة بنجاح، عاد الجواهرجي ورفاقه إلى القاهرة، محلقين على ارتفاع منخفض جدًا لتجنب الرصد. وعند اقترابهم من مطار القاهرة الدولي، فوجئ برج المراقبة بالطائرات، وسألهم عن هويتهم، ليأتيه الرد الحاسم:
> “اقفل الاتصال… إحنا في حالة حرب.”
فجاء صوت المراقب ممتزجًا بالفخر والطمأنينة:
> “حمد الله على السلامة يا فندم.”
وداع البطل
رحل اللواء طيار أحمد صادق الجواهرجي عن عالمنا في 21 يناير 2013، بعد أن سطر ببطولاته صفحة مجيدة في تاريخ حرب أكتوبر. رحم الله هذا البطل، ورحم كل من قدموا أرواحهم فداءً للوطن.
دروس لا تنسى
الشجاعة والإيمان كانا رفيقي الجواهرجي وهو يقود طائرته الثقيلة دون حماية.
التخطيط المحكم من قيادة القوات الجوية لعب دورًا أساسيًا في نجاح الضربة الجوية الأولى.
تضحيات الجنود والضباط هي ما صنعت النصر وأعادت الكرامة للأمة.