شارك الخبر
كتب فهمي السنيدي
*****************************************************
إن إسقاط سلطة الحوثيين، أو إضعافها بما يكفي لدفعها إلى طاولة المفاوضات والقبول بتسوية سياسية عادلة، لا يمكن أن يتحقق بالرهان على الضغوط الخارجية وحدها، ولا بتشكيل حكومات توافقية تفتقر إلى الفاعلية والقدرة على فرض حضورها على الأرض. بل يتطلب، قبل كل شيء، إعادة بناء شرعية سياسية وعسكرية تمتلك مقومات القوة، وتستند إلى سلطة فعلية، ومؤسسات فاعلة، وقوة عسكرية منظمة، ورؤية واضحة لإدارة الصراع.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار جمع القوى الشمالية والجنوبية، بما بينها من تناقضات سياسية وتباينات في الأهداف والمشاريع الوطنية، داخل حكومة واحدة، لا يمثل بالضرورة صيغة ناجحة لتوحيد الصفوف؛ بل قد يتحول إلى عامل لتعطيل القرار، وتبديد الموارد، وتكريس حالة الشلل السياسي والعسكري. فالتوافق الشكلي لا يصنع وحدة في القرار، كما أن تقاسم المناصب لا ينتج بالضرورة مشروعًا وطنيًا قادرًا على استعادة الدولة.
وعليه، فإن أحد الخيارات الجديرة بالنقاش هو إعادة تنظيم السلطة على أساس توزيع واضح للمسؤوليات السياسية والعسكرية، من خلال مسارين متكاملين:
أولًا: حكومة في عدن تتولى إدارة المحافظات الجنوبية.
تكون مهمتها ترسيخ الاستقرار، وتحسين الخدمات، وبناء المؤسسات، وتعزيز الإيرادات، وتطوير قدرات الأجهزة الأمنية والعسكرية، بما يضمن وجود سلطة فاعلة تستمد مشروعيتها من قدرتها على إدارة الأرض وخدمة المواطنين، لا من الاعتراف السياسي وحده.
ثانيًا: سلطة تنفيذية شمالية تتولى إدارة المناطق والقوى المناهضة للحوثيين في المحافظات الواقعة تحت سيطرة المليشيات
تكون أولويتها توحيد القرار السياسي والعسكري في نطاق مسؤوليتها، وتنظيم الموارد والإمكانات، وبناء قيادة عسكرية أكثر كفاءة وانضباطًا، وتطوير استراتيجية واضحة للتعامل مع الحوثيين، بدعم سياسي ولوجستي ومالي من حكومة عدن وشركائها الإقليميين، وفق ترتيبات مؤسسية معلنة تضمن التنسيق والمساءلة.
ولا يعني هذا التصور بالضرورة تكريس الانقسام الجغرافي أو التخلي عن هدف استعادة صنعاء بل يمكن النظر إليه باعتباره صيغة انتقالية لإدارة واقع سياسي وعسكري معقد، إلى حين تهيئة الظروف لبناء إطار وطني جامع يستند إلى توافق حقيقي، لا إلى مجرد جمع أطراف متباينة تحت سقف حكومي واحد.
أما على المستوى العسكري، فإن محاولة دمج تشكيلات مسلحة متعددة، تختلف في نشأتها وعقيدتها العسكرية وولاءاتها السياسية ومصادر قيادتها، في مؤسسة واحدة بقرار إداري أو اتفاق سياسي، من دون معالجة هذه الاختلافات، تظل محاولة محفوفة بالفشل. فالتوحيد العسكري لا يتحقق بتغيير المسميات أو إصدار القرارات، وإنما ببناء عقيدة وطنية مشتركة، وسلسلة قيادة واضحة، ونظام موحد للرواتب والتسليح والانضباط والمساءلة.
لذلك، قد يكون من الأجدى اعتماد مسار تدريجي يبدأ بتنسيق العمليات وتحديد المسؤوليات ومنع التضارب بين التشكيلات، ثم الانتقال إلى إعادة الهيكلة والتوحيد المؤسسي كلما توافرت شروطه السياسية والعسكرية. فالمطلوب ليس دمجًا شكليًا ينتج مؤسسة منقسمة من الداخل، بل بناء قوة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.
إن جوهر هذه الرؤية هو الانتقال من شرعية التوافقات الهشة إلى شرعية الإنجاز والفاعلية على الأرض. فكلما امتلكت القوى المناهضة للحوثيين سلطات أكثر كفاءة، وقيادات أكثر تماسكًا، وقدرات عسكرية أكثر تنظيمًا، تراجعت قدرة الحوثيين على استثمار الانقسامات وتوظيف الضعف الذي تعاني منه الشرعية القائمة وتحسنت فرص ممارسة ضغط سياسي وعسكري منضبط يدفعهم إلى التفاوض من موقع أقل قدرة على فرض الشروط الأحادية.
غير أن نجاح هذا المسار يظل مشروطًا بوجود تنسيق سياسي وعسكري واقتصادي واضح بين السلطتين، وآليات مشتركة لإدارة الموارد والملفات السيادية، والتزام صريح بحقوق المواطنين ووحدة الهدف في هذة المرحلة وهو اسقاط الحوثي ..
فالهدف ليس إنتاج سلطتين متنازعتين بدلًا من سلطة عاجزة، بل بناء سلطات فاعلة ومتكاملة، قادرة على تحويل السيطرة على الأرض إلى قوة سياسية، وتحويل القوة السياسية نفسها إلى تسوية عادلة ومستدامة…