شارك الخبر
__________________
تتداخل البنادق حين تتأجل أسئلة الدولة، فيصبح الخبر العسكري مرآة للسياسة.
ما أوردته صحيفة الغارديان في 17 أكتوبر، عن ربط عودة القوات الجنوبية للقتال ضد الحوثيين خارج حدود الجنوب السابق بضمانة الاستفتاء على تقرير المصير، يتجاوز كونه تسريباً صحفياً. إنه يكشف العقدة اليمنية في صورتها الأوضح: جبهة عسكرية موحدة في الظاهر، ورؤى متباعدة للمستقبل في الجوهر.
مطلب تقرير المصير ليس طارئاً، وتحفظ المجلس الانتقالي عن القتال خارج الجنوب ليس تكتيكاً ميدانياً، بل تعبير عن مشروع سياسي متكامل.
الجديد هو التوقيت. ففي ذروة الحاجة لتنسيق الجهود ضد تقدم الحوثيين، يطفو سؤال المستقبل على سطح المعركة. وهنا ينعقد السؤال الأهم: هل نحن أمام شرط سياسي يسبق المشاركة، أم ورقة تفاوضية تُراد لتأمين ما بعد الحرب؟
التقرير لا يحسم الإجابة، ولا يؤكد وجود اتفاق نهائي، لكن مجرد طرحه بهذه الحدة يفرض علينا التوقف.
فالحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن القوى المناهضة للحوثي قد تلتقي عند هدف إسقاطه، لكنها لا تلتقي بالضرورة عند سؤال ما بعده. من يقاتل لاستعادة الدولة الموحدة، ومن يقاتل لاستعادة دولة الجنوب، لا يخوضان نفس الحرب، وإن توحدت بنادقهما مؤقتاً.
ومن هنا، فإن الرهان على وحدة عسكرية تلقائية دون تفاهمات واضحة حول القيادة، ومناطق العمليات، والمرجعية السياسية لما بعد المعركة، هو رهان على سراب. كما أن ربط كل طلقة بتسوية نهائية لمصير الدولة، هو تعطيل للمعركة نفسها.
إن المخرج يكمن في الوسط.
المعركة تحتاج إلى حد أدنى من الضمانات التي تطمئن كل طرف بأن تضحياته لن تذهب سدى، وأن المستقبل لن يُفرض عليه بالقوة. وهذا لا يعني حسم شكل الدولة اليوم، بل يعني الاتفاق على مبدأين:
*أولاً، إدارة المعركة بقيادة وتنسيق واضح.*
*ثانياً، ضمانة بأن مستقبل الجنوب والشمال سيُحسم عبر حوار سياسي وآلية سلمية، تكفل للناس حقها في تقرير مصيرها، لا عبر أمر واقع تفرضه البنادق.*
وحده هذا التفاهم المرحلي، هو ما يوحّد الجبهات دون أن يصادر المستقبل.
عبدالناصر السنيدي
يوميات الحرب