شارك الخبر
لم اتردد يوما كما قلت اكثر من مرة ، في الاصرار والعزم على كتابات سطور ، عن حياة الرموز والشخصيات ، التي تركت بصمتها في الساحة، كانت علمية ، سياسية ، فنية ، والهدف من ذلك ان نؤجج في دواخلنا مشاعر الحب والوفاء لهم ، وفي قلوب محبيهم ومعجبيهم ، وقد سررت اليوم جدا ، وأنا اجد بين منشوراتي السابقة ، تحت عنوان “من ذاكرة التاريخ ” قامة فنية حملت ألحان الجنوب في ذاكرته، وعاش عمره وفيا لأغانيه، حتى غدت حنجرته جسرا فنيا يربط جمهوري جيبوتي بمدن وقرى جنوب الجزيرة العربية .
فنان ترك أثرا لا تمحوه السنوات والغياب .الفنان عبدالقادر عبد الرحيم بامخرمة، الذي عاش حياته وفيا للغناء الشعبي، وحمل على عاتقه مهمة صون ألوان غنائية أصيلة من تراث حضرموت ويافع ولحج وعدن، ناقلا ألحانها وكلماتها إلى أجيال من المستمعين في جيبوتي .
ولد الفنان عبدالقادر بامخرمة عام ١٩٢٦م في أسرة حضرمية عُرفت بالعلم والفقه والدين، ونشأ في بيئة اجتماعية كان للعلماء والفقهاء فيها مكانة رفيعة، وللدين حضوره القوي في تفاصيل الحياة اليومية. غير أن مسار حياته اتجه إلى عالم آخر، عالم تسكنه الأنغام وتستحوذ عليه الكلمة المغنّاة، فاختار طريق الفن، وأخلص له حتى أصبح واحدا من أبرز حَمَلة الأغنية الشعبية القادمة من جنوب الجزيرة العربية إلى المجتمع الجيبوتي .
لم يكن عبدالقادر بامخرمة فنان يؤدي الأغاني طلبا للطرب أو الترفيه، وانما كان، في جوهر تجربته، راويا للذاكرة الغنائية، وحارسا لتراث تناقلته الأجيال، وسفيرا لألوان فنية ارتبطت بالأرض والإنسان والوجدان الشعبي .
على مدى أكثر من نصف قرن، ظل وفيا للأغاني التي حملت عبق المدن والقرى الجنوبية، فكانت الأغنية اليافعية في مقدمة اهتماماته، إلى جانب ألوان من الغناء اللحجي والعدني . ومن خلال أدائه، وجدت تلك الأغاني طريقها إلى أسماع جمهور في جيبوتي، حيث تداخلت الروابط الاجتماعية والثقافية مع وشائج التاريخ والهجرة التي جمعت ضفتي البحر الأحمر وخليج عدن بالقرن الافريقي .
لقد أدى بامخرمة دورا يتجاوز حدود المغنّي التقليدي؛ إذ أسهم في إبقاء ألوان من الغناء الشعبي حاضرة في الوجدان، بعيدا عن موطن نشأتها .
ولعل ما يمنح سيرة عبدالقادر بامخرمة جانبا إنسانيا لافتا هو انتماؤه إلى أسرة عُرفت بالعلم الشرعي والفقه، في الوقت الذي اختار فيه هو طريق الغناء .
فقد كان أخوه الشيخ سعيد بامخرمة، رحمه الله، فقيها وعالما، وتولّى إمامة مسجد حمودي الكبير في جيبوتي، وهو من المساجد المعروفة في المدينة. كما كان من أفراد أسرته الشيخ الطيّب بامخرمة، الذي تولّى إمامة مسجد السيد حسن المعروف بمسحد “السادة” في جيبوتي .
لكن هذا المحيط الديني لم يكن متقبلا بالضرورة لاختيار عبدالقادر الفني؛ إذ كان الشيخ الطيّب بامخرمة من المعارضين لغنائه، انطلاقا من موقف ديني لم يرَ معه في ممارسة الفن أمرا مقبولا .
وهنا تتجلّى إحدى المفارقات اللافتة في حياة الفنان؛ فهو ابن أسرة ارتبط اسمها بالعلم والدين، لكنه اختار مسارا فنيا لم يحظَ بإجماع المحيطين به. وبين عالم الفقه والمسجد، وعالم اللحن والمجالس الغنائية، عاش عبدالقادر تجربته الخاصة، متمسكا بما اختاره لنفسه من طريق .
وليس من الضروري أن نقرأ هذا الاختلاف بوصفه خصومةً شخصية، بقدر ما يمكن فهمه في سياق التباين في النظرة إلى الفن والغناء، وهو تباين عرفته مجتمعات كثيرة، ولا سيما حين تتقاطع الموروثات الدينية والاجتماعية مع أشكال التعبير الفني .
لم تكن حياة عبدالقادر بامخرمة منفصلة عن البيئة الاجتماعية والدينية المحيطة به؛ فقد عاش بين شخصيات كان لها حضورها ومكانتها في المجتمع الجيبوتي آنذاك .
ومن بين أقربائه وجيرانه وأفراد محيطه الاجتماعي، السيّد علي أبو بكر السقّاف، الذي تولّى منصب قاضي المحكمة الشرعية الكبرى في جيبوتي في ذلك العهد .
وتكشف هذه التفاصيل عن جانب من طبيعة البيئة التي عاش فيها الفنان؛ بيئة تتجاور فيها المكانة الدينية والاجتماعية مع الممارسات الثقافية والفنية، وتتعدد فيها المواقف من الغناء، بين من ينظر إليه بوصفه تعبيرا عن الوجدان الشعبي، ومن يتحفّظ عليه انطلاقا من قناعاته الدينية .
وفي خضم هذا التنوع، واصل بامخرمة مسيرته الفنية، محتفظا بمكانته بين محبّي الأغنية الشعبية، ومكرّسًا سنوات عمره للألوان الغنائية التي أحبّها وعُرف بها .
كثيرًا ما يتحوّل الفن في المهجر إلى ذاكرة بديلة عن المكان البعيد؛ يستعيد الناس من خلاله لهجاتهم، وألحانهم، وعاداتهم، وتفاصيل حياتهم الأولى. ولعلّ هذا ما يفسّر أهمية الفنانين الذين حافظوا على الأغاني الشعبية خارج موطنها الأصلي، إذ لم يكن دورهم مقتصرا على إمتاع الجمهور، وانما امتد إلى إبقاء الصلة حية بين الإنسان وتراثه .
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى تجربة عبدالقادر بامخرمة بوصفها جزءا من تاريخ التواصل الثقافي بين اليمن والقرن الإفريقي، ذلك التواصل الذي أسهمت فيه الهجرات والروابط الأسرية والتجارية والاجتماعية، كما أسهمت فيه الأغنية الشعبية بما تحمله من عاطفة وحنين وذاكرة مشتركة .
لقد كان بامخرمة واحدا من أولئك الذين منحوا الأغنية اليافعية، على وجه الخصوص، حضورا في بيئة جغرافية واجتماعية بعيدة عن موطنها، فحفظ لها مكانا في المجالس والأسماع، وأسهم في استمرار تداولها عبر سنوات طويلة .
في عام ٢٠٠٧م غيب الموت عبدالقادر عبد الرحيم بامخرمة في العاصمة جيبوتي ، عن عمر ناهز الحادية والثمانين عاما، بعد رحلة امتدت لأكثر من ثمانية عقود، قضى جانبا كبيرا منها في خدمة الغناء الشعبي .
رحم الله الفنان عبدالقادر عبد الرحيم بامخرمة، وغفر له ، يجعل الفردوس الاعلى مأواه.