شارك الخبر
لا أدر ماالذي جعلني هذا الصباح أتذكر أصواتهن الناعمة الرقيقة والدافئة
واصباح الخير لخير واصباح العافية
كما لو أنه الأمس، يومٌ امتلأ بوجوه الفرح المورسة والابتسامات المفعمة بروح الأمل في أجواء فرحٍ لا يشبه أي فرحٍ آخر. كانت لحظة الزفّة وكأن العالم كلّه قد اجتمع هناك في رحاب قريتنا ، ليحتفل بالجمال والأنوثة والفطرة النقية.
وفي مشهد “الحريوة” محاطة بالنواعم والجدات وفضول الطفولة لحظتها تنفجر فرقعة الطبول وصفقات كفوف الحسان بقولهن :
الا وانخلة اشتلي شلل وايعجبون الناس
وهنا تنهض العروسة وينظم ورائها العريس لتتهادى مجولة بأولى خطواتها الواثقة مسنودة بذراع ودموع أمها تشق الجموع وسط الحشود يلفّها ضوء النهار ودفء العيون المليئة بالمحبة. حولها النسوة يرقصن بخفةٍ وأناقة، تتمايل قاماتهنّ مع الأهازيج والأصوات الناعمة التي تعلو من كل جانب. وهنا يأتي دور (المسايرة ) أمرأة تحتضن خصر العروسة لتقدها في مسار الطريق وتنطلق الزغاريد وترانيم الحناجر الذهبية
الا مدي رجلش اليمنى وقولي والخضر
والياس
ثم بعيد برهة وحين تتجاوز مردم البيت تنطلق الحناجر بغنوة مؤثرة يمتزج فيها الفرح بلحظة الوداع مع تصاعد دخان الأبخرة
الا واستودعك وابه واستودع جميع أهلي … الا ياليتني يابه حبيبة وسط مخزانك —.
ألحان لا تنسى، تهزّ الوجدان وتملأ القلب نشوة تعانق السماء ممزوجة
برائحة الدخون والمسك والعود والطيب وهي تتصاعد من المباخر وتتشابك في الهواء كوشاحٍ من عبيرٍ يلتفّ حول الجميع ويتسلل إلى الصدور الفرحة كلّ شيءٍ في تلك اللحظة كان مترعًا بالجمال — الوجوه المضيئة، الثياب المزركشة، الضحكات البريئة ممزوجة بدموع الفرح الصادق الذي يسكن الافئدة
كنت أراقب المشهد بعينٍ يملؤها الانبهار، وأشعر أنني جزءٌ من هذا الفرح الجمعي الذي يتنفسه المكان. كأن الزمن توقف احترامًا لتلك الزفّة، وكأن الكرة الأرضية اختارت أن ترقص معنا.
في تلك اللحظة، أيقنتُ أن السعادة ليست في المظاهر، بل في تلك العفوية التي تجمع الناس على نبضٍ واحد، في تلك البساطة التي تشعل الروح وتملؤها حياة. كانت تلك الزفّة — دون مبالغة — أجمل لحظةٍ عشتها في حياتي، لحظةً حفرت في الذاكرة نقشها العميق، وظلّت منذ ذلك اليوم عنوانًا للفرح كما يجب أن يكون: نقيًّا، صادقًا، ومليئًا بالحب.
ومع مرور الأيام، كلّما تذكّرت تلك الزفّة، أشعر أن قلبي يبتسم وحده. كأن عبير الدخون لا يزال يلامس أنفي، وكأن أصوات النسوة لا تزال تشدو في أذني. تلك اللحظة علّمتني أن الفرح الحقيقي لا يُصنع، بل يُعاش ببساطةٍ وصدق، وأن أجمل ما في الحياة هو أن نحياها كما نحيا تلك الزفّة — بقلوبٍ مطمئنة، وأرواحٍ ترقص على لحن المحبة والرضا.
كتب : أحمد يسلم