شارك الخبر
في خمسينيات القرن الماضي، وفي أوج الحرب الباردة وصراع النفوذ العالمي بين واشنطن وموسكو، اعتبرت الولايات المتحدة دول أمريكا الجنوبية فناءً خلفياً لها؛ فأي اقتراب من هذه الدول كان يُمثل تهديداً مباشرًا لأمنها القومي ومجالها الحيوي.
وفي عام 1950، وفي إحدى تلك الدول الصغيرة التي وضعتها واشنطن تحت مجهرها — وهي جواتيمالا — فاز جاكوبو أربينز في الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر بنسبة كبيرة تجاوزت 60% من الأصوات، وتولى رسمياً مقاليد الحكم في 15 مارس 1951 خلفاً للرئيس خوان خوسيه أريفالو في انتخابات ديمقراطية.
كان أربينز يُصنف ضمن اليسار الإصلاحي والقومي الديمقراطي، ولم يكن شيوعياً بالمعنى الحرفي للكلمة، بل كان عسكرياً وطنياً يؤمن بالإصلاح الجذري. وقد حظي بدعم الأحزاب اليسارية، وقام بإصلاحات واسعة؛ أبرزها الإصلاح الزراعي، ومحاربة احتكار شركة الموز الأمريكية التي كانت تسيطر على اقتصاد البلاد بالكامل، وتوزيع الأراضي على الفلاحين الفقراء. كما سمح للحزب الشيوعي المحلي بالعمل القانوني.
بل إنه تجرأ و قام باستيراد أسلحة من تشيكوسلوفاكيا.!
هذه السياسات الإصلاحية وتوجهاته اليسارية بالطبع جعلت كل صفارات الإنذار الحمراء تدق في واشنطن ووكالة المخابرات المركزية (CIA):
«هذا الرجل يحاربنا علانية، ويُمثل تهديداً شيوعياً في حديقتنا الخلفية.. ويجب التخلص منه في أسرع وقت ممكن!»
لذا، قررت الـ CIA التخلص من جاكوبو أربينز الذي تجرأ على محاربة الاحتكار الأمريكي. ولكن… كيف؟
بدلاً من إرسال مشاة البحرية لخطفه أو شن هجوم عسكري مباشر — وحتى لا تُقلق “الدب” القابع في موسكو — ابتكرت الوكالة خطة شيطانية بامتياز أُطلق عليها اسم عملية الملاذ الأخير.
لم يكن سلاح الوكالة مكلفاً أو معقداً، بل تمثل في محطة إذاعية سرية ومزيفة تُدعى “إذاعة التحرير”، لم تكلفهم سوى ميكروفون ومذيع ومحطة إرسال قديمة.
كانت هذه الإذاعة تبث من دولة مجاورة، وبصوت مذيع حماسي يتحدث الإسبانية بطلاقة، يروي أخباراً مضخمة عن “جيش تحرير جبار” قادم لتحرير العاصمة، يقوده العقيد المنشق “كارلوس كاستيو أرماس”، مدعياً أن هذا الجيش يتقدم بسرعة، ويحاصر العاصمة من كل الجهات، ويسيطر على المدن الواحدة تلو الأخرى.
وطبعاً، لم تكن هناك جيوش جرارة ولا ما يحزنون؛ فجيش كارلوس لم يتعد بضع مئات من المرتزقة. كان الأمر كله خدعة سخيفة اخترعها رئيس الوكالة ألان دالاس وقاد التخطيط فرانك ويزنر من الـ CIA…
ولإضفاء مزيد من المصداقية على هذه الأكذوبة الإذاعية، استأجرت الـ CIA أسطولاً صغيراً من الطائرات المدنية القديمة، وقام طيارون مرتزقة بإلقاء منشورات تهديد في الشوارع، وإلقاء قناعات متفجرة خفيفة وبسيطة في مناطق خالية قرب القصر الرئاسي، لإحداث أصوات مرعبة توحي بأن الغارات الجوية قد بدأت بالفعل!
وللأسف، نجحت الخطة وتكللت بالنجاح الميداني؛ فقد أُصيبت القيادة العسكرية والسياسية في جواتيمالا بالشلل التام.
استمع الوزراء إلى الإذاعة وهم يعتقدون أن مئات الدبابات على أبواب المدينة، بينما لم يكن هناك سوى بضع عشرات أو مئات على أقصى تقدير من المسلحين على الحدود.
وأمام هذا التخبط المروع والضغط النفسي الهائل الذي هندسته المخابرات الأمريكية، وضغط وزراء حكومته، استقال الرئيس أربينز في 27 يونيو 1954، وهرب إلى خارج البلاد، لتسقط حكومته دون حرب حقيقية تُذكر!
و تم تنصيب كارلوس كاستيو أرماس رئيساً، مما أنهى “الثورة الغواتيمالية (1944–1954)” وبدأ عقوداً من الدكتاتوريات العسكرية والحروب الأهلية المدمرة في غواتيمالا.
لتعود جواتيمالا إلى أحضان احتكار “العم السام” دون إطلاق رصاصة واحدة.
هذه الحادثة تذكرنا إن أفضل سلاح في جعبة المخابرات دائماً هي الشائعات؛ عندما يتحول الهواء والإعلام إلى أداة لإسقاط الدول، ولتأكد لنا أن أخطر المعارك هي التي تُدار في العتمة والظلام ودون طلقة رصاص واحدة..
والمنتصر دائماً هو من يبحث عن تحقيق أهدافه بأقل الخسائر الممكنة.
هذا ما تعلمنا إياه حروب الظلال.. انتظرونا في المحطة القادمة من أرشيف حرب الجواسيس، حيث تنكشف خبايا لم تُروَ من قبل.