شارك الخبر
في كتاب «هدية الزمن في أخبار ملوك لحج وعدن» للمؤرخ فضل بن علي العبدلي، ورد في سياق حديثه عن المواجهات التي وقعت بين الحواشب والعبادل، موقف لافت يحمل حكمة سياسية واجتماعية جديرة بالتأمل والاستحضار في واقعنا المعاصر.
فقد ذكر أن السلطان فضل بن علي، سلطان السلطنة اللحجية، عندما استعرض كتائب العوالق في ميدان الحوطة بعد عودته من المسيمير، أقبل على العوالق راكباً حصانه، فدنا منه أحد رؤسائهم وأنشده زاملاً يمدحه فيه ويصفه بالجمل المربعي الذي اقتلع طوابق الحواشب حتى ظهرت أساساتها، في إشارة إلى ما ألحقته بهم المواجهات من خسائر. يقول فيه:
يا المَرْبَعِيْ يا دِيْ تَقَلِّعْهَا طِبَنْ
اتْقَلَّعَتْ لَطْبَان حَتَّى السَّاس بان
ذِيْ ما يِقَايِسْهَا وعَادَهْ في السِّعِهْ
يصبر على رَشْخْ الجَرَيْد الهندوان
فما كان من السلطان إلا أن أجابه على الفور بزامل حمل معنى مختلفاً، فقال:
الحَوْشَبِيْ خُوْنَا ولا نَرْضَى عَلَيْهْ
مَلاَّ مِنَ الرحمن ذِيْ قَدَّرْ وَكَانْ
ما نَصْلَحْ إِلَّا لَا اجْتَمَعْنَا كُلَّنَا
مِثْلَ الأَصَابِعْ ذِيْ تَقَايِسْ بِالبَنَانْ
إنها إجابة تختصر حكمة قائد يدرك أن الانتصار في معركة لا ينبغي أن يتحول إلى شماتة في الآخرين، وأن الخصومة مهما اشتدت لا تلغي روابط الأخوة والجوار والمصير المشترك.
وأبرز ما يستوقفنا في رد السلطان قوله:
“الحَوْشَبِيْ خُوْنَا ولا نَرْضَى عَلَيْهْ”
فالسلطان لم يقبل أن يجعل من هزيمة الحواشب مناسبة للتفاخر أو الانتقاص منهم ويرفض أن تتحول المواجهة الطارئة بينهما إلى شماتة أو انتصار لطرف على حساب الطرف الآخر، مؤكداً أنهم إخوانه، وأن ما أصابهم لا يرضاه لهم وأن رابطة الأخوة والمصير المشترك ينبغي أن تبقى فوق حسابات الغلبة والخسارة.
ثم انتقل إلى المعنى الأهم، في العبارة الأكثر عمقاً:
ما نَصْلَحْ إِلَّا لَا اجْتَمَعْنَا كُلَّنَا
مِثْلَ الأَصَابِعْ ذِيْ تَقَايِسْ بِالبَنَانْ
أي أن صلاح الجميع لا يتحقق إلا بالاجتماع والتكاتف، وأن القوة الحقيقية تكمن في تكامل الجهود، مثل أصابع اليد التي تختلف في أطوالها لكنها تجتمع وتتكامل في أداء وظيفتها. كذلك ينبغي أن تكون علاقاتنا؛ اختلاف في الرؤى، وتنوع في المواقف، لكن اجتماع على المصالح المشتركة، واحترام متبادل، وتعاون في مواجهة الأخطار.
وكم نحن اليوم بحاجة إلى عقلية السلطان فضل بن علي، الذي لم تأخذه نشوة استعراض القوة إلى نسيان الأخوة، ولم تدفعه انتصاراته إلى التفاخر على الآخرين، بل جعل من اجتماع الجميع شرطاً للصلاح والقوة.
فهل نستلهم من حكمة السلطان ما يعيننا على تجاوز خلافات اليوم، ونعيد ترتيب علاقاتنا على قاعدة الأخوة والمصالح المشتركة، حتى لا يجد أعداؤنا في خلافاتنا فرصة لتحقيق أهدافهم؟..
د.علي صالح الخلاقي