شارك الخبر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل لكل إنسان أثرًا يبقى بعد رحيله، وجعل من سِيَر الرجال ومواقفهم صفحاتٍ من تاريخ الأوطان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ليست قيمة الرجال بما يشغلونه من مناصب، ولا بما يحظون به من أضواء وشهرة، وإنما بما يتركونه من أثر، وما يقدمونه من تضحيات، وما يسطرونه من مواقف في خدمة أوطانهم ومجتمعاتهم.
فهناك رجال تصنعهم الأحداث، وهناك رجال يصنعون الأحداث بمواقفهم وتضحياتهم، ثم يمضون في صمت، تاركين خلفهم تاريخًا يستحق أن يُروى، وسيرةً تستحق أن تُحفظ من النسيان.
ومن بين هؤلاء الرجال يأتي الفقيد المناضل علي عوض ناصر حراشي، الذي غادر دنيانا في العاشر من أكتوبر عام 2026م، بعد حياة حافلة بالكفاح والعمل والعطاء، امتدت من سنوات الثورة ضد الاستعمار البريطاني إلى مرحلة الاستقلال وبناء مؤسسات الدولة، وما تلاها من أحداث وتحولات شهدتها يافع والجنوب عمومًا.
لقد نشأ الفقيد في ظروف معيشية قاسية، وعرف مبكرًا معنى المسؤولية وتحمل أعباء الحياة، غير أن قسوة الظروف لم تنل من عزيمته، ولم تمنعه من الانخراط في مسيرة النضال الوطني. ففي نهاية عام 1965م، التحق بصفوف ثوار الجبهة القومية في جبهة يافع، وشارك في مسيرة الكفاح المسلح ضد قوات الاستعمار البريطاني وعملائه، متنقلًا بين عدد من الجبهات والمواقع النضالية، ومؤديًا ما أُوكل إليه من مهام في مرحلة كانت تتطلب من الرجال شجاعة الموقف، وصلابة الإرادة، والإيمان بعدالة الهدف.
ولم تنحصر إسهامات الفقيد في الجانب العسكري والنضالي فحسب، بل امتدت إلى ميادين العمل الاجتماعي والتنظيمي والأمني، فقد أسهم في حل قضايا الثأر والنزاعات القبلية والحدودية، وشارك في جهود فرض الأمن والاستقرار بعد الاستقلال، وكان من المساهمين في تأسيس عدد من المؤسسات واللجان الشعبية والمحاكم، كما اضطلع بمهام في القوات الشعبية ولجان الدفاع والتنظيم السياسي، وعمل في صندوق الإنشاءات والأشغال العامة، تاركًا بصمات في مراحل متعددة من تاريخ المنطقة.
وتكتسب سيرة الفقيد أهمية خاصة؛ لأنها لا توثق حياة رجل واحد فحسب، بل تكشف جانبًا من تاريخ جيل كامل من المناضلين الذين حملوا مسؤولية الثورة، وأسهموا في تحقيق الاستقلال، ثم انتقلوا إلى ميدان بناء الدولة وخدمة المجتمع.
ذلك الجيل الذي لم تكن تضحياته مرتبطة بمكسب شخصي أو منصب عابر، وإنما بإيمان راسخ بواجب النضال والعمل من أجل الوطن.
ولعل من أكثر ما يستوقفنا في سيرة الفقيد أن سنوات العطاء والتضحيات لم تكن كفيلة بأن تضمن له حياة كريمة في أواخر عمره؛ فقد واجه ظروفًا معيشية صعبة، وعانى من انقطاع مستحقاته المالية، وظل يعاني آثار التحولات والصراعات التي تعاقبت على الجنوب، دون أن ينال ما يستحقه من اهتمام وإنصاف يتناسب مع ما قدمه من خدمات.
وهي صورة تختصر معاناة كثير من المناضلين الذين غُيّبت أسماؤهم، وتراجعت مكانتهم في خضم الصراعات وتغير السلطات، رغم أن تاريخهم جزء أصيل من ذاكرة الوطن.
إن توثيق سيرة هؤلاء الرجال ليس مجرد استعادة لذكريات الماضي، بل هو واجب أخلاقي وتاريخي، وحق للأجيال القادمة في معرفة حقيقة المراحل التي مر بها وطنهم، والتعرف على الرجال الذين شاركوا في صنع أحداثها، وما تحملوه من مشاق وتضحيات.
فالتاريخ الذي لا يوثق شهادات رجاله يظل عرضة للنسيان والاجتزاء، وقد تضيع معه حقائق ومواقف لا يمكن استعادتها بعد رحيل أصحابها.
ومن هذا المنطلق، يأتي هذا الكتاب ليكون نافذة على حياة المناضل علي عوض ناصر حراشي، وتوثيقًا لما تيسر جمعه من سيرته ومواقفه ومشاركاته النضالية والاجتماعية والتنظيمية، استنادًا إلى ما ورد من شهادات وروايات ومعلومات ممن عاصروه ورافقوه وعرفوا جوانب من مسيرته. ولا ندّعي أن هذه الصفحات قد أحاطت بكل تفاصيل حياته، أو استوفت جميع مراحلها، وإنما نأمل أن تكون بداية لعمل توثيقي أوسع، يستكمل ما قد يكون غاب من معلومات، ويصحح ما قد يحتاج إلى مراجعة، ويضيف إليه كل من يمتلك شهادة أو وثيقة أو رواية موثوقة تتصل بحياة الفقيد.
وإننا إذ نضع هذه السيرة بين أيدي القراء، فإننا نوجه دعوة صادقة إلى رفاق دربه، وكل من عاصروه أو عملوا معه، وأفراد أسرته ومحبيه، للمساهمة في إثراء هذا التوثيق بما لديهم من معلومات وشهادات وصور ووثائق، حتى تكتمل صورة هذه المسيرة، وتُحفظ تفاصيلها للأجيال القادمة.
كما نأمل أن يكون هذا العمل خطوة في اتجاه إنصاف جيل المناضلين، والاهتمام بتاريخهم، ورد الاعتبار لمن أفنوا أعمارهم في خدمة وطنهم، ولم ينالوا من التقدير والوفاء ما يتناسب مع حجم تضحياتهم. فالأوطان التي تنسى رجالها تفقد جانبًا من ذاكرتها، والمجتمعات التي لا تحفظ تاريخ من سبقوها تحرم أجيالها من معرفة جذورها وتجاربها.
لقد رحل علي عوض ناصر حراشي، لكن رحيل الرجال لا ينبغي أن يكون نهاية سيرتهم؛ فالأجساد تفنى، أما المواقف الصادقة والآثار الطيبة والتضحيات المخلصة فتبقى حاضرة في ذاكرة الأوطان والأجيال.
رحم الله الفقيد المناضل علي عوض ناصر حراشي، وغفر له وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء عما قدمه في حياته، وألهم أهله وذويه ورفاق دربه ومحبيه الصبر والسلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.